
الوقف وحكم الرجوع فيه
دراسة فقهية مقارنة بين المذهب الحنفي ومذاهب الأئمة الثلاثة
عبدالله حمد سالم المنهالي الأستاذ المشارك الدكتور محمد نور بن داؤود
1447 هـ ــــ 2026م
المقدمة:
الحمد لله الذي حث عباده على الاستكثار من أعمال البر والخيرات، وجعل من القربات ما يستمر ثوابه وأثره الصالح بعد الممات، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة :215]. والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد ﷺ، الذي سنّ لأمته نظام الأوقاف ورغبهم فيه بقوله: “إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة : صدقة جارية، أوعلم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له[1] لقد أسس التشريع الإسلامي نظاماً اقتصادياً ومالياً متكاملاً، يوازن بدقة بين حق الفرد في التملك والإنفاق، وحق المجتمع في التكافل والتنمية المستدامة. ويبرز نظام “الوقف” كأحد أهم هذه الأنظمة التي ابتكرها الفقه الإسلامي، حيث شكّل على مر العصور الرافد الأساسي لتمويل المشروعات الخيرية، والعلمية، والصحية، والاجتماعية. غير أن هذا القطاع الحيوي الضخم لا يمكنه تحقيق غاياته الكبرى، ولا ترسيخ دعائمه التنموية، إلا في ظل إطار فقهي وقانوني متين يحمي أصوله من الضياع، ويصونها من تقلبات الأهواء، وهو ما يُعرف في الاصطلاح الفقهي بـ “لزوم عقد الوقف”.
أهمية الموضوع:
تتجلى أهمية هذه الدراسة في كون “لزوم عقد الوقف” يمثل الركيزة الأساسية التي ينهض عليها استقرار قطاع الأوقاف وديمومته. فالوقف في حقيقته الشرعية هو إخراج للمال من ملك صاحبه وتسبيل لمنفعته؛ وإذا جاز أن يكون هذا العقد غير لازم أو قابلاً للإلغاء، بحيث يخضع لمزاج الواقف وحقه في التراجع، أو لحق ورثته في المطالبة باسترداد العين الموقوفة بعد وفاته، فإن المقصد الشرعي من الوقف سيُهدر بالكلية، وستتزعزع ثقة المستفيدين من عوائده. وتزداد أهمية هذا الموضوع في العصر الحاضر مع تنامي حجم الأوقاف وتنوع أشكالها، مما يُحتم قراءة فقهية دقيقة للأحكام الشرعية المتعلقة بوقت لزوم الوقف، وموانع تمامه، وآليات الفصل في النزاعات التي قد تنشأ بين الواقف وورثته من جهة، وبين الجهات المشرفة على الأوقاف من جهة أخرى، مستندين في ذلك إلى التراث الفقهي الزاخر الذي خلفه أئمة المذاهب المعتبرة.
أسباب اختيار الموضوع:
تضافرت عدة دوافع علمية وعملية لاختيار موضوع “لزوم عقد الوقف وأحكام الرجوع فيه” ليكون محل هذا البحث، يأتي في طليعتها العمق الفقهي والخلاف الداخلي الثري الذي يتميز به المذهب الحنفي في هذه المسألة. فقد نشأ تباين علمي دقيق بين مؤسس المذهب الإمام أبي حنيفة الذي يرى أن الوقف عقد غير لازم ويجوز للواقف الرجوع فيه قياساً على العارية، وبين صاحبيه الإمامين أبي يوسف ومحمد بن الحسن اللذين أقرّا بلزومه وديمومته، مما يفتح آفاقاً واسعة للباحث لسبر أغوار الأدلة والحجج التي استند إليها كل فريق.
ويضاف إلى ذلك أهمية إبراز أوجه الخلاف مع جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة، مما يُثري المقارنة الفقهية، لا سيما في المسائل الدقيقة المتعلقة بما يثبت به لزوم الوقف، كصدور حكم القاضي، أو إفراز العين الموقوفة وتسليمها للجهة المستفيدة. وأخيراً، يبرز الدافع العملي والقضائي كمحرك أساسي لهذه الدراسة؛ ففي ظل تزايد القضايا المرفوعة أمام المحاكم المعاصرة بشأن دعاوى الرجوع في الوقف أو إبطاله، تغدو الحاجة ماسة لتقديم مرجعية فقهية واضحة تعين القضاة والمفتين على إدراك الحكم الشرعي السديد، وتضمن استقرار الأوقاف وحفظ حقوق الأجيال المتعاقبة.
مشكلة البحث وتساؤلاته:
تتمحور الإشكالية الرئيسة لهذا البحث حول التكييف الفقهي للزوم الوقف؛ وهل بمجرد تلفظ الواقف بصيغة الوقف يزول ملكه وتلزم العين الموقوفة فلا تقبل التراجع، أم أن العقد يبقى جائزاً يقبل الفسخ والرجوع؟ وتتفرع عن هذه الإشكالية جملة من التساؤلات العلمية الدقيقة:
- ما هو الموقف الفقهي للإمام أبي حنيفة من لزوم الوقف؟ وما هي أدلته النقلية والعقلية في تجويز الرجوع فيه؟
- كيف خالف الصاحبان أبو يوسف ومحمد إمامهما في هذه المسألة؟ وما هي القواعد التي استندا إليها في تقرير اللزوم؟
- ما هي آراء جمهور الفقهاء المالكية، والشافعية، والحنابلة في لزوم الوقف وحكم الرجوع فيه، وما أدلتهم على ذلك؟
- ما هي الحالات أو الطوارئ التي يتحول فيها الوقف من عقد جائز إلى عقد لازم عند من يرى عدم لزومه ابتداءً كحكم القاضي، أو الموت، أو الإفراز؟
- ما هي الآثار الفقهية والعملية المترتبة على ثبوت اللزوم أو انتفائه فيما يخص تصرفات الواقف وحقوق الورثة؟
منهج البحث
لتحقيق أهداف الدراسة والإجابة عن تساؤلاتها المطروحة، اقتضت طبيعة البحث الاعتماد على مسارين منهجيين متكاملين:
- المنهج الاستقرائي: وذلك من خلال تتبع أقوال الفقهاء، وجمع المادة العلمية المتعلقة بالوقف واللزوم والرجوع، واستخراجها من مظانها الأصلية في كتب الفقه المعتمدة لدى المذهب الحنفي ومذاهب الأئمة الثلاثة.
- المنهج المقارن: حيث أعملت هذا المنهج في عرض المسائل الخلافية، وتصوير محل النزاع بدقة، ثم بيان أسباب الخلاف وأدلة كل فريق، مع مناقشة تلك الأدلة مناقشة موضوعية قائمة على القواعد الأصولية ومقاصد الشريعة، للوصول في النهاية إلى الرأي الراجح الذي تطمئن إليه النفس وتقتضيه المصلحة الراجحة.
الدراسات السابقة
الدراسة الأولى: دراسة علي إبراهيم عيسى الراشد 2009 بعنوان “بيع الوقف: دراسة فقهية مقارنة
هدفت هذه الدراسة إلى بيان الأحكام الشرعية المتعلقة ببيع الأعيان الموقوفة، وتحرير محل النزاع بين المذاهب الفقهية في جواز استبدال الوقف أو بيعه عند تعطيل منافعه. واعتمد الباحث على المنهجين الاستقرائي والوصفي المقارن. وتوصلت الدراسة إلى عدة نتائج، أبرزها: المنع من بيع الوقف كأصل عام حفاظاً على ديمومته، مع جواز بيعه واستبداله في حالات الضرورة القصوى كخراب العين لتحقيق المصلحة الراجحة، مع إبراز سعة المذهب الحنبلي في ذلك. وأوصت الدراسة بضرورة وضع ضوابط قضائية صارمة لمنع التلاعب بأموال الأوقاف بحجة الاستبدال أو البيع.
الدراسة الثانية: دراسة حسين بن معلوي الشهراني 2019 بعنوان “تأقيت الوقف: دراسة فقهية تأصيلية
هدفت هذه الدراسة إلى بحث مدى اشتراط “التأبيد” في الوقف، ومناقشة جواز توقيت الوقف بمدة زمنية محددة ينتهي بانتهائها. واعتمد الباحث على المنهج التحليلي المقارن بين المذاهب. وتوصلت الدراسة إلى أن جمهور الفقهاء يشترطون التأبيد لصحته، بينما تفرد المذهب المالكي بجواز “تأقيت الوقف” بحيث يرجع للواقف بعد انقضاء المدة. وأوصت الدراسة بالاستفادة من الرأي المجيز للتأقيت في صياغة منتجات تمويلية وقفية معاصرة تشجع الميسورين على إيقاف أموالهم مؤقتاً دون الخوف من خروجها عن ملكهم للأبد.
الدراسة الثالثة: دراسة محمد أمين بارودي 2020 بعنوان “تحول الوقف: دراسة فقهية مقارنة
هدفت هذه الدراسة إلى معالجة الإشكالات الفقهية الناتجة عن تحول الوقف وتغير هيئته أو شروطه المحددة من قِبل الواقف، نتيجة للضرورات أو تغير الزمان. واعتمدت الدراسة المنهج المقارن في الفقه الإسلامي. وتوصلت إلى أن الأصل هو وجوب التزام شرط الواقف، إلا أنه يجوز تحول الوقف ونقل منفعته لجهة أخرى أصلح إذا دعت الحاجة الماسة لذلك، بناءً على مقاصد الشريعة في استمرار النفع. وأوصت بضرورة إعطاء مرونة لجانب الإدارة الوقفية النظارة ضمن ضوابط شرعية محكمة تمنع اندثار الأوقاف المعطلة.
الدراسة الرابعة: دراسة وسمية شائز العنزي 2023 بعنوان “الوقف المنقطع: حقيقته ومآلاته وآثاره: دراسة فقهية مقارنة
هدفت هذه الدراسة إلى بيان الأحكام المترتبة على الوقف الذي ينقطع المستفيدون منه كانقراض ذرية الموقوف عليهم أو زوال الجهة المستفيدة. واتبعت الباحثة المنهج الوصفي التحليلي والمقارن. وتوصلت إلى تفصيل المذاهب في مآل الوقف المنقطع؛ وهل يصرف للفقراء والمساكين كجهة عامة، أم يعود إلى الواقف وورثته. وأوصت الدراسة بضرورة العناية بصياغة “حجج الوقف” وتضمينها شروطاً ومصارف بديلة احتياطية تمنع وقوع الخلاف عند انقطاع الجهة الأولى.
الدراسة الخامسة: دراسة يوسف محمد الصادق الخويلدي 2025 بعنوان “الأحكام المتعلقة بلزوم الوقف عند الفقهاء: دراسة فقهية مقارنة
هدفت هذه الدراسة إلى تحرير القول في صفة “اللزوم” لعقد الوقف، وبيان آراء الفقهاء في مدى استقرار هذا العقد وعدم قابليته للنقض. واعتمدت على المنهج الفقهي المقارن. وتوصلت الدراسة إلى عرض الخلاف العام بين المذاهب في وقت ثبوت اللزوم، وبيان أن اللزوم هو الأصل الذي تستقر به الأوقاف، مع استعراض شروط ثبوته كالقبض أو الحكم القضائي. وأوصت بتدوين أحكام الوقف في قوانين الأحوال الشخصية استناداً إلى الأقوال الفقهية التي تحقق استقرار المعاملات الوقفية.
التعليق على الدراسات السابقة
أولاً: أوجه الاختلاف بين الدراسات السابقة والدراسة الحالية الفجوة البحثية
من خلال استقراء الدراسات السابقة، يُلحظ أنها تناولت مؤسسة “الوقف” من زوايا متعددة؛ فالدراسات الأربع الأولى الراشد، الشهراني، بارودي، العنزي انصبت معالجاتها على “ما بعد انعقاد الوقف” والطوارئ التي تلحق به من بيع، تأقيت، تحول، وانقطاع. أي أنها تفترض وجود الوقف ثم تبحث في التغيرات التي تطرأ عليه، دون التركيز العميق على “أصل اللزوم” وحق الواقف في الرجوع. أما دراسة الخويلدي، 2025، فرغم اتفاقها مع الدراسة الحالية في العنوان العام “اللزوم”، إلا أن الدراسة الحالية تتميز عنها وتفارقها في زاوية التناول والمحور المذهبي؛ فبينما تتناول دراسة الخويلدي الموضوع من منظور فقهي عام ومسح أفقي للمذاهب، تتميز الدراسة الحالية بجعل “المذهب الحنفي” هو بؤرة البحث وأصله، من خلال تسليط الضوء المكثف على “الخلاف الداخلي الحاد” في المذهب بين الإمام أبي حنيفة وصاحبيه في مسألة اللزوم، وبيان كيف يتحول الوقف من الجواز إلى اللزوم بحكم القاضي كحيلة فقهية، ثم جعل هذا السياق الحنفي الدقيق ميزاناً للمقارنة مع المذاهب الثلاثة الأخرى فيما يخص “حكم الرجوع”، وهو ما يمنح البحث الحالي عمقاً تخصصياً وأصالةً في بابه.
ثانياً: أوجه الاستفادة من الدراسات السابقة
تُشكل هذه الدراسات رافداً علمياً قيماً، وقد تمت الاستفادة منها في صقل البناء المعرفي لهذا البحث، وذلك على النحو الآتي:
- الاستفادة من دراسة الخويلدي في التعرف على الخارطة العامة للخلاف بين المذاهب الأربعة حول مفهوم “اللزوم”، لتكون منطلقاً للتعمق في الانفراد الحنفي.
- تم توظيف دراستي الراشد في بيع الوقف، والشهراني في تأقيت الوقف، عند مناقشة الثمرة العملية لقول الإمام أبي حنيفة بعدم اللزوم؛ إذ إن القول بعدم اللزوم هو الذي يتيح للواقف بيع العين أو تحديد مدة مؤقتة للوقف يرجع بعدها لملكه، مما يعمق من التحليل الفقهي في البحث الحالي.
- الاستفادة من دراستي بارودي والعنزي في فهم كيفية تعامل الفقه المقارن مع مآل العين الموقوفة، وتوظيف ذلك في المبحث الأخير الخاص بتوريث العين الموقوفة إذا مات الواقف قبل أن يُلزم الوقف عند أبي حنيفة.
خطة البحث
الفصل التمهيدي: الإطار المفاهيمي للوقف
- المبحث الأول: ماهية الوقف وحكمه الشرعي
- المطلب الأول: مشروعية الوقف وفضله.
- المطلب الثاني: الحكم الشرعي التكليفي للوقف.
- المبحث الثاني: التكييف الفقهي للوقف وأحكامه الأساسية
- المطلب الأول: أهمية التكييف الفقهي لعقد الوقف.
- المطلب الثاني: أنواع الوقف.
- المطلب الثالث: أركان الوقف وشروطه الأساسية.
الفصل الأول: لزوم الوقف وما يثبت به (دراسة فقهية مقارنة)
- المبحث الأول: طبيعة عقد الوقف وحكم لزومه بمجرد الصيغة
- المطلب الأول: مذهب الإمام أبي حنيفة في عدم لزوم الوقف.
- الفرع الأول: التكييف الفقهي لعقد الوقف عند أبي حنيفة.
- الفرع الثاني: أدلة الإمام أبي حنيفة من النقل والمعقول.
- المطلب الثاني: مذهب الصاحبين وجمهور الفقهاء في لزوم الوقف.
- الفرع الأول: موقف الصاحبين (أبي يوسف ومحمد) واختلافهما في شروط اللزوم.
- الفرع الثاني: التوافق مع جمهور الفقهاء والقول المفتى به.
- المطلب الثالث: مذاهب الأئمة الثلاثة في إثبات اللزوم وأدلة الجمهور.
- الفرع الأول: ثبوت لزوم الوقف بالقول والفعل عند الأئمة الثلاثة.
- الفرع الثاني: أدلة الجمهور والصاحبين على لزوم الوقف.
- المطلب الرابع : المناقشة والترجيح.
- الفرع الأول: مناقشة أدلة المانعين للزوم والرد عليها.
- الفرع الثاني: بيان القول الراجح وتوجيهه المقاصدي.
- المطلب الأول: مذهب الإمام أبي حنيفة في عدم لزوم الوقف.
- المبحث الثاني: ما يثبت به لزوم الوقف (شروط اللزوم الطارئة)
- المطلب الأول : حكم القاضي وأثره في لزوم الوقف.
- الفرع الأول: أثر حكم القاضي في رفع الخلاف الفقهي.
- الفرع الثاني: التخريج الإجرائي (الحيلة الفقهية) للحكم بلزوم الوقف عند الحنفية.
- المطلب الثاني : تعليق الوقف إلى ما بعد الموت (الوصية بالوقف)
- الفرع الأول: التكييف الفقهي لإضافة الوقف إلى ما بعد الموت.
- الفرع الثاني: نفاذ الوصية بالوقف وحدود الثلث الشرعي.
- المطلب الثالث: الإفراز والتسليم الفعلي (القبض والحيازة)
- الفرع الأول: الخلاف بين الصاحبين في اشتراط الإفراز والقبض للزوم الوقف.
- الفرع الثاني: مقارنة شرط القبض مع المذهب المالكي (الحيازة قبل المانع)
- المطلب الأول : حكم القاضي وأثره في لزوم الوقف.
الفصل الثاني: الآثار الفقهية المترتبة على القول بجواز الرجوع في الوقف
- المبحث الأول: تصرف الواقف في العين الموقوفة وإدارتها
- المطلب الأول: حكم تصرف الواقف في العين بناءً على القول بعدم اللزوم (مذهب أبي حنيفة)
- المطلب الثاني: حكم تصرف الواقف في العين بناءً على القول باللزوم (مذهب الصاحبين والجمهور)
- المبحث الثاني: أثر وفاة الواقف على العين الموقوفة (إرث الوقف)
- المطلب الأول: أثر وفاة الواقف على العين الموقوفة عند الإمام أبي حنيفة.
- المطلب الثاني: أثر وفاة الواقف عند الصاحبين وجمهور الفقهاء.
- المبحث الثالث: إنهاء الوقف بالتراضي (الإقالة)
- المطلب الأول: حكم إنهاء الوقف بالتراضي في مذهب أبي حنيفة.
- المطلب الثاني: بطلان الإقالة في الوقف بناءً على القول باللزوم (مذهب الجمهور والصاحبين)
الخاتمة:
- أولاً: أهم النتائج التي توصل إليها البحث.
- ثانياً: التوصيات والمقترحات.
التمهيد: الإطار المفاهيمي للوقف
يُعد التحرير الدقيق لمفهوم “الوقف” خطوة منهجية ضرورية لاستيعاب طبيعة هذا العقد وآثاره الشرعية، لا سيما فيما يتعلق بمسألة “اللزوم” التي تشكل حجر الزاوية في هذه الدراسة ، ورغم الارتباط الوثيق بين المعنى اللغوي للوقف ومعناه الاصطلاحي، إلا أن الفقهاء استندوا في صياغة تعريفاتهم إلى نظرتهم الفقهية العميقة لطبيعة انتقال الملكية في هذا العقد.
أولاً: المعنى اللغوي للوقف
كلمة “الوقف” مشتقة من الجذر الثلاثي وَقَفَ، وتدور معانيها في اللغة العربية حول الحبس والمنع. فيُقال مثلاً: “وقفتُ الدابة”، أي حبستها ومنعتها من السير، ويُقال: “وقفتُ الأرض” أي حبستها عن التصرف ، ومن اللطائف اللغوية أن استخدام صيغة أوقفت يُعد لغة رديئة أو قليلة عند أهل الحجاز، والأفصح استخدام الفعل الثلاثي وقَفَ. ولهذا السبب، وفي التراث الفقهي لبعض المذاهب كالمذهب المالكي، يُطلق على الوقف مصطلح “الحَبْس” وجمعه “أحباس”، لتطابق الكلمتين في دلالة المنع والحبس.([2])
ثانياً: المعنى الاصطلاحي للوقف
بالانتقال من الدلالة اللغوية إلى المعنى الفقهي الاصطلاحي، نجد أن تعريف الوقف لم يكن محل إجماع بين الفقهاء؛ بل تنوعت صياغاته بشكل يعكس تبايناً جوهرياً في مسألة “بقاء الملكية ولزوم العقد”، ويبرز هذا التباين بوضوح داخل أروقة المذهب الحنفي ذاته، وذلك على النحو الآتي:([3])
1 . تعريف الإمام أبي حنيفة الوقف (باعتباره غير لازم) 🙁[4])
عرّف الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- الوقف بأنه : “حبس العين على ملك الواقف، والتصدق بمنفعتها”.
وهذا التعريف دقيق ومقصود؛ فهو يقرر استمرار ملكية الواقف للعين الموقوفة كالأرض أو العقار، ويجعل الوقف مقتصراً على التبرع بالمنفعة أو الغلة فقط. وبناءً على هذا التصور، يُشبه عقد الوقف “العارية” إعارة المنفعة، وبالتالي فهو عقد غير لازم شرعاً؛ إذ يحق للواقف الرجوع فيه وفسخه في أي وقت، كما يحق له بيع العين، وتنتقل بالإرث لورثته بعد وفاته ، وهذا التعريف يُجرد الوقف من صفة الديمومة والاستقرار بمجرد التلفظ به.
2 . تعريف الصاحبين وجمهور الفقهاء الوقف (باعتباره لازما):([5])
في المقابل، خالف الصاحبان الإمام أبو يوسف والإمام محمد بن الحسن الشيباني إمامهما أبا حنيفة، وتوافقا مع جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة في تقرير “اللزوم”. وقد صاغوا تعريفهم للوقف بأنه : “حبس العين على حكم ملك الله تعالى، والتصدق بمنفعتها”.
إن عبارة “حكم ملك الله” تحمل دلالة قاطعة على اللزوم؛ فهي تعني الانقطاع التام والنهائي لحق الواقف في العين الموقوفة بمجرد صدور الوقف، مع نفي انتقال ملكيتها لأي شخص آخر، بل تصير خالصة لله عز وجل. هذا التكييف الفقهي هو ما يمنح عقد الوقف قوته الملزمة والفورية، ولأن العين خرجت إلى حكم ملك الله، استحال على الواقف استردادها، وحَرُم عليه بيعها أو التنازل عنها، وانقطع حق ورثته فيها.
يتضح مما سبق أن الخلاف الفقهي في تعريف الوقف ليس خلافاً لفظياً أو شكلياً، بل هو تباين جوهري وعميق في تكييف قوة العقد الملزمة وأثره الشرعي ، فبينما يراه الإمام أبو حنيفة تصدّقاً بالمنفعة مع بقاء العين في ملك الواقف مما يبيح الرجوع فيه، يراه الصاحبان والجمهور إسقاطاً لملكية الواقف وحبساً مؤبداً للعين، ليغدو بذلك عقداً لازماً لا رجعة فيه. وهذا الاختلاف المفاهيمي هو حجر الأساس الذي تفرعت عنه كافة الأحكام والمناقشات الفقهية المتعلقة بلزوم الوقف والرجوع فيه.([6])
مشروعية الوقف وحكمه الشرعي
كنقطة انطلاق منهجية قبل الغوص في تفاصيل الاختلافات الفقهية المتعلقة بلزوم الوقف وصحته، تبرز الحاجة الماسة لتجلية الأساس الشرعي الذي استند إليه الفقهاء في تأصيل هذا الباب، وتحديد حكمه في ميزان الشريعة الإسلامية. وقد أجمع علماء المسلمين على مشروعية الوقف، مستندين في ذلك إلى أدلة قطعية ومتضافرة استقيت من نصوص القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، والإجماع العملي لصحابة رسول الله ﷺ.([7])
الأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية
استنبط الفقهاء مشروعية الوقف من عموم الآيات القرآنية التي تحث على البذل والإنفاق في وجوه البر. ومن أجمع هذه الآيات وأبلغها دلالة قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]. وقد تجسد الفهم العملي لهذه الآية فور نزولها في مبادرة الصحابة الكرام لوقف أحب أموالهم إليهم، كما فعل أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه حين جعل بستانه بيرحاء صدقة لله تعالى استجابة لهذا النداء القرآني.([8])
وتُعد السنة النبوية المطهرة الركيزة الأساسية والمرجع التفصيلي لتشريع الوقف وتحديد معالمه. ومن أظهر الأدلة في هذا الباب الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: “إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أوعلم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له”.([9]) وقد نص جماهير العلماء على أن المراد بـ “الصدقة الجارية” في هذا الحديث هو الوقف؛ لأن منفعته مستمرة وأصله باقٍ، مما يضمن استدامة الأجر.
ويبرز حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه كأقوى نص تأسيسي يبين أركان الوقف وأحكامه. فقد أصاب عمر أرضاً بخيبر لم يُصب مالاً قط أنفس عنده منها، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال النبيﷺ: “إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها”([10]) ، فتصدق بها عمر غير أنه لا يُباع أصلها، ولا يُبتاع، ولا يُورث، ولا يُوهب، وهذا التوجيه النبوي هو العمدة التي بنى عليها الفقهاء كافة أحكامهم في تكييف عقد الوقف وتأبيده.([11])
الإجماع العملي للصحابة رضوان الله عليهم
لقد شاعت سُنة الوقف وتواترت بين أصحاب رسول الله ﷺ حتى انعقد إجماعهم العملي على مشروعيته واستحبابه وقد نقل سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنه هذا الإجماع بقوله : “لم يكن أحد من أصحاب النبي ﷺ ذو مقدرة إلا وقف[12] وتتجسد هذه الممارسة في وقفياتهم الشهيرة ؛ كوقف عثمان بن عفان لبئر “رومة”، ووقف علي بن أبي طالب لأرضه في “ينبع”، وأوقاف الزبير بن العوام وغيرهم من كبار الصحابة ، ولم يُنقل عن أحد منهم إنكار أو اعتراض على ذلك، فكان إجماعاً سكوتياً وفعلياً استقر عليه العمل.([13])
الحكم الشرعي التكليفي للوقف
تأسيساً على ما سبق من أدلة نقلية وإجماع، تقرر لدى فقهاء الشريعة أن الحكم الشرعي التكليفي للوقف هو أنه “سنة مؤكدة” وعمل مندوب إليه ومستحب استحباباً شديداً. فالوقف ليس واجباً يأثم تاركه، ولكنه من أسمى القربات وأفضل أنواع الصدقات لما يتسم به من نفع متعدٍّ ودائم ، وقد حثت الشريعة الإسلامية المسلمين على الإسهام فيه لما يحققه من مقاصد عليا؛ كتعزيز التكافل الاجتماعي، وكفالة المحتاجين، وضمان التمويل المستدام للمرافق العامة كالمساجد، والمدارس، والمستشفيات، مما يجعله عملاً صالحاً يمتد أثره ونفعه في حياة الواقف وبعد مماته.([14])
يُعرّف الوقف في الشريعة الإسلامية بأنه حبس الأصل وتسبيل منفعته؛ بحيث يُمنع التصرف في العين ببيع أو هبة أو إرث، وتصرف منفعتها في الجهة التي حددها الواقف وتختلف المذاهب الفقهية في تحديد ملكية أصل الوقف بين بقائه على ملك الواقف أو انتقاله إلى حكم ملك الله عز وجل. وفي جوهره، يُعد الوقف تجسيداً لأعلى مراتب الإيثار والتجرد، حيث يتنازل فيه المالك عن حقه في التصرف بماله أو بعوائده، مبتغياً بذلك الأجر والمثوبة ورضا الخالق سبحانه.[15]
مشروعيته وفضله
أجمع علماء المسلمين على أن الوقف سُنةٌ مستحبة وقربةٌ عظيمة من أحب الأعمال إلى الله، كونه يلبي حاجات مجتمعية متجددة وواسعة. وقد استند الفقهاء في إثبات مشروعيته إلى عموم الآيات القرآنية الحاثة على البذل والإنفاق، كقوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾: [البقرة: 267] ورغم أن الآية الكريمة جاءت في سياق الحث العام على الصدقات، إلا أن شموليتها تستوعب الوقف باعتباره من أطيب أبواب الإنفاق وأكثرها استدامة، استجابةً للتوجيه الإلهي المستمر بالبذل في وجوه الخير.
لم تقتصر التشريعات القرآنية على الحث على الوقف، بل أحاطته بسياج متين من الحماية لضمان ديمومته وعدم العبث به. ويُستدل على ذلك بمبدأ تحريم تبديل النوايا والشروط، المأخوذ من قوله تعالى في شأن الوصايا: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة : 181]، ومن هذا المنطلق، أقر الفقهاء قاعدة صارمة تمنع تغيير شروط الواقفين أوالمساس بأصل الوقف ومستحقيه، فالوقف بمجرد انعقاده يكتسب صفة شرعية وقانونية ملزمة، ويُعد أي تجاوز لشرط الواقف أو تغيير لمصارفه تعدياً صريحاً وإثماً عظيماً، مما يرسخ مبدأ “ديمومة الوقف” كحق ثابت لا يجوز انتهاكه.[16]
تأسيساً على ما سبق من أدلة الكتاب والسنة، يتبين أن الوقف ليس مجرد تصرف مالي عابر، بل هو “صدقة جارية” وعطاء مستدام ينمو أثره ويتسع عبر الزمن، بخلاف الهبات المباشرة التي ينتهي نفعها بنفادها. ولهذا السبب، يحتاط علماء الشريعة أشد الحيطة في أحكام الأوقاف لضمان حماية ثروات الأمة، واستمرار المؤسسات الدينية والتعليمية والخيرية في تأدية رسالتها جيلاً بعد جيل. إن الوقف في حقيقته عهدٌ مقدس مع الله، يتطلب رعايةً شرعيةً وقانونيةً صارمة لحفظه من أي ضياع أو تحريف.
تُعد السنة النبوية المطهرة المرجع التطبيقي الأول لتشريع الوقف، حيث جسّد النبي ﷺ وأصحابه الكرام أسمى معاني التضحية والبذل من خلال ممارسات عملية أصبحت أصولاً وقواعد يستند إليها الفقهاء في تقرير أحكام الأوقاف. ومن أبرز هذه التطبيقات النبوية ما ورد في قصة بئر “رومة”؛ فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (مَنْ يَحْفِرُ بِئْرَ رُومَةَ فَلَهُ الْجَنَّةُ)[17]، فبادر عثمان -رضي الله عنه- إلى شرائها وتسبيلها للمسلمين عامةً، فكانت بذلك من أوائل الأوقاف في الإسلام. وتتجلى دلالة هذا الحديث في كون الوقف يُعدّ من أبواب الجنة، كما يُستفاد منه جواز وقف المنقولات والمرافق العامة كآبار الماء التي تخدم حاجة الناس، مما يؤكد أن الغاية من الوقف هي تحقيق النفع العام المتعدي الذي يبقى أثره طويلاً.
وفي سياق متصل، يُبرز حديث أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه معاني الإيثار في الوقف، فعندما نزلت آية التكليف بالإنفاق مما يُحب المرء: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [ال عمران : 92] ، هبَّ أبو طلحة مُسرعاً إلى النبي ﷺ قائلاً: يا رسول الله، إن أحب أموالي إليَّ “بيرحاء” وهو بستان كان يرتاده النبي ﷺ ويستظل فيه-، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله. فكان جواب النبي ﷺ له مفعماً بالتقدير والتشجيع: «بَخٍ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ»[18]، وأشار عليه بوقفها في الأقربين.
إن هذا الحديث يُعدّ ركيزةً فقهيةً هامة في باب الأوقاف، حيث يستنبط منه الفقهاء جواز وقف العقارات والبساتين، كما يستدلون به على فضل وقف المال “النفيس” الذي يحبه المرء، لا الفائض عن حاجته فحسب، سعياً وراء الصدقة الجارية التي لا ينقطع أجرها. كما يُستفاد منه جواز تخصيص الوقف للأقارب، وهو ما عُرف لاحقاً بـ “الوقف الذري”، مما يجمع بين صلة الرحم وبين نيل أجر الصدقة، ويحقق مقصد الشرع في استدامة التكافل الاجتماعي داخل نطاق الأسرة والمجتمع على حد سواء.
أهمية التكييف الفقهي لعقد الوقف
يُعد التكييف الفقهي لطبيعة عقد الوقف المحور الأساسي الذي تدور حوله أحكام لزوم الوقف أو جواز الرجوع فيه. فهذا التكييف يمثل “العدسة” التي ينظر من خلالها القاضي لتقييم هذا التصرف؛ فهل هو إسقاط نهائي لملكية العين، أم مجرد تبرع بمنفعتها قابل للإلغاء؟ ومن هنا، يبرز الخلاف الجوهري بين مذهب جمهور الفقهاء ورأي الإمام أبي حنيفة النعمان، وهو خلاف يؤسس لفهم أعمق لمقاصد هذا البحث.
مذهب الجمهور: الوقف خروج نهائي عن الملكية
ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة، بالإضافة إلى صاحبي أبي حنيفة (القاضي أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني)، إلى أن حقيقة الوقف الشرعية تتمثل في “الخروج التام عن الملكية”. فبمجرد إنشاء الوقف، تخرج العين الموقوفة من ملك الواقف نهائياً، وتزول عنه سلطة التصرف فيها، لتصبح على حكم ملك الله تعالى. وبناءً على ذلك، يُمنع الواقف من استرداد العين أو التصرف فيها ببيع أو هبة أو إرث ، ويُشبّه الجمهور الوقف في لزومه بـ “العتق”؛ فكما أن السيد إذا أعتق عبده سقط حقه في استرداده، فكذلك الواقف إذا أوقف ماله سقط حقه في الرجوع فيه.[19]
مذهب الإمام أبي حنيفة: الوقف حبس للمنفعة مع بقاء الملكية
في المقابل، تبنى الإمام أبو حنيفة النعمان توجيهاً فقهياً مختلفاً؛ حيث رأى أن الوقف لا يزيل ملكية الواقف عن العين، بل هو مجرد “حبس للعين على ملك الواقف والتصدق بمنفعتها”، ووفقاً لهذا المفهوم، يُشبه الوقف في طبيعته عقد “العارية” (إعارة المنفعة)؛ حيث يبقى الواقف مالكاً للعين الموقوفة، ولا تخرج عن ضمانه أو ذمته المالية. وعليه، يرى أبو حنيفة أن الوقف عقد “جائز” (غير لازم)، يقتصر على التبرع بالمنفعة دون سلب حق التصرف في الرقبة، مما يمنح الواقف الحق الشرعي في الرجوع عن وقفه، أو بيع العين الموقوفة، ما لم يُحكم بلزومه من قاضٍ أو يُعلّق بموت الواقف كالوصية.[20]
أثر الخلاف الفقهي في التطبيق القضائي
إن هذا التباين الفقهي ليس مجرد خلاف لفظي أو صياغي، بل هو اختلاف جوهري تترتب عليه أحكام فرعية بالغة الأهمية. فبينما يرى الجمهور أن الوقف عقد “لازم” لا يجوز الرجوع فيه كونه إنهاءً للملكية ، يرى الإمام أبو حنيفة أنه عقد “جائز” يمكن فسخه والرجوع فيه لكونه تبرعاً بالمنفعة مع بقاء الملكية. وهذا الاختلاف التأسيسي هو ما يمهد الطريق للمناقشات اللاحقة حول مدى صحة تصرفات الواقف في العين الموقوفة بعد إنشائها، ومدى نفاذها أمام القضاء، وهو ما سيتم تفصيله في الفصول القادمة عند تحليل الآثار القانونية والشرعية المترتبة على كلا الرأيين.
أنواع الوقف
يُقسَّم الوقف في الفقه الإسلامي من حيث الجهة المستفيدة من ريعه ومنافعه إلى ثلاثة أنواع رئيسية، ويعكس هذا التنوع المرونة الفائقة للنظام الوقفي وقدرته على تلبية الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية المتغيرة للمجتمع والأسرة على حد سواء. ،فيما يلي :[21]
١- الوقف الخيري (العام)
هو الوقف الذي تُخَصَّص منافعه وعوائده منذ البداية لجهات البر والمصلحة العامة التي لا تنقطع. ومن أبرز أمثلته: بناء المساجد، وتأسيس المستشفيات والمؤسسات التعليمية، أو تخصيص العوائد لكفالة الفقراء والمساكين ورعاية الحجاج. ويتسم هذا النوع بالديمومة والشمول، حيث يهدف إلى تعزيز التكافل المجتمعي وتوفير الخدمات الأساسية للفئات المحتاجة دون الاقتصار على أفراد بأعيانهم.
٢- الوقف الأهلي (الذري أو الخاص)
هو الوقف الذي يشترط فيه “الواقف” أن تكون منافع الوقف وريعه مخصصة له شخصياً في حياته، ثم لذريته وأقاربه، أو لأشخاص محددين من بعده. ولا ينتهي هذا الوقف بانقراض المستفيدين (الذرية)؛ بل يشترط الفقهاء أن تؤول عوائده بعد انقراضهم إلى جهة بر عامة لا تنقطع، لضمان استمرار الأجر. وقد شُرع هذا النوع ليُمكّن الواقف من الجمع بين مقاصد شرعية عظيمة تتمثل في صلة الرحم، وتأمين المستقبل المالي لأبنائه، ونيل أجر الصدقة الجارية (المحبة الأبدية) في آنٍ واحد.
٣- الوقف المشترك
هو الوقف الذي يجمع بين خصائص الوقفين “الخيري” و”الأهلي” في تصرف واحد؛ حيث يُخصص الواقف جزءاً من ريع وقفه لجهات البر العامة، والجزء الآخر لذريته أو أقاربه. كأن يوقف عقاراً ويشترط أن يُصرف نصف “ريعه” (وليس ثمنه، لأن أصل الوقف لا يُباع) على أبنائه، والنصف الآخر على كفالة الأيتام أو دور الرعاية. ويُبرز هذا النوع حكمة التشريع في إحداث توازن دقيق بين المصلحة الخاصة للعائلة والمنفعة العامة للمجتمع، مؤكداً على دور الوقف كأداة تنموية شاملة.
أركان الوقف وشروطه الأساسية
يقوم عقد الوقف في الفقه الإسلامي على أربعة أركان أساسية، لا ينعقد ولا يصح إلا باجتماعها ، وقد وضع الفقهاء شروطاً دقيقة لكل ركن لضمان صحة الوقف ونفاذه وتحقيق مقاصده الشرعية، وهي على النحو الآتي:[22]
أولاً: الواقف
وهو مالك المال الذي يُريد إيقافه، ويُشترط فيه أن يكون أهلاً للتبرع، ويتحقق ذلك بأن يكون بالغاً، عاقلاً، حراً، ورشيداً. وعليه، فلا يصح الوقف من الصبي، أو المجنون ، أو المحجور عليه لسفهٍ أو غفلة، كما يُشترط أن يكون الواقف مالكاً للعين المراد وقفها ملكاً تاماً، وأن يصدر الوقف عن إرادة حرة واختيار كامل دون إكراه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه “[23]
ثانياً: المال الموقوف (العين الموقوفة)
وهو المال أو الأصل الذي يتم تحبيسه، ويُشترط أن يكون مالاً متقوماً شرعاً، ومعلوماً ومحدداً منعاً للجهالة المفضية للنزاع. كما يجب أن يكون في ملك الواقف وقت إنشاء الوقف. ومن أهم شروطه “بقاء العين مع استيفاء المنفعة”؛ فالوقف يقع على الأعيان التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء أصلها، كالعقارات والأراضي والكتب والمعدات. وبناءً على ذلك، لا يصح وقف ما يُستهلك بمجرد الانتفاع به كالمأكولات أو الوقود، لأن مقصود الوقف هو ديمومة الانتفاع وليس استهلاك الأصل.
ثالثاً: الموقوف عليه (الجهة المستفيدة)
ويُشترط أن تكون جهة برّ وقربة لا تنقطع، سواء كانت جهة عامة كالمساجد والمستشفيات والمدارس ودور الرعاية، أو جهة خاصة كالذرية والأقارب. ويجب أن يكون الغرض من الوقف تحقيق مصلحة مشروعة، فلا يصح الوقف على معصية أو أمرٍ مُحرم شرعاً. فإذا كان الوقف إعانة على إثم أو باطل بطل الوقف؛ لأن الغاية الأساسية منه هي التقرب إلى الله تعالى، والمعاصي تنافي هذا المقصد الرفيع.
رابعاً: الصيغة (الإيجاب والقبول)
وهي اللفظ أو الفعل الصادر من الواقف والدال على إرادته الجازمة في تحبيس ماله. ويُشترط في الصيغة “التنجيز”، بمعنى ألا يكون الوقف معلقاً على شرط مجهول أو مستحيل، بل يجب أن يكون الإنشاء فورياً قاطعاً. كما يشترط جمهور الفقهاء “التأبيد”، بحيث لا يحدد الواقف مدة معينة ينتهي بعدها الوقف، لأن طبيعته تقتضي الديمومة كصدقة جارية. ورغم أن المالكية خالفوا في ذلك وأجازوا الوقف المؤقت، إلا أن الجمهور يرى التأبيد شرطاً أساسياً ليتوافق الوقف مع مبادئ الشريعة في استدامة الخير واستمرار النفع لما بعد موت الواقف.[24]
المبحث الأول: طبيعة عقد الوقف وحكم لزومه بمجرد الصيغة
يُعدّ التكييف الفقهي لطبيعة عقد الوقف حجر الزاوية لفهم أحكامه ومقاصده. وقد دار نقاش فقهي واسع حول هذه المسألة في أروقة المذهب الحنفي، ليمتد إلى مقارنة علمية دقيقة مع المذاهب الفقهية الأخرى. وتتمحور إشكالية هذه الدراسة حول تساؤل جوهري: هل تخرج العين الموقوفة عن ملك الواقف بمجرد التلفظ بصيغة الوقف ليصبح العقد بذلك باتاً ولازماً، أم أن العقد يبقى “جائزاً” غير لازم يحق للواقف فسخه والرجوع فيه؟([25])
المطلب الأول: مذهب الإمام أبي حنيفة في عدم لزوم الوقف
في إطار الإجابة عن هذا التساؤل، يبرز رأي الإمام أبي حنيفة النعمان -رحمه الله- الذي يقرر أن عقد الوقف، بمجرد التلفظ بصيغته، يُعدّ عقداً جائزاً غير لازم، ولا يزول به ملك الواقف عن العين الموقوفة. وبناءً على هذا التأصيل، يثبت للواقف الحق في التراجع عن وقفه في أي وقت من حياته، وله أن يبيعه أو يتنازل عنه كيفما شاء ، وإذا وافته المنية والوقف باقٍ على حاله، فإن العين الموقوفة تورث عنه كباقي أملاكه، وتنتقل إلى ورثته، إلا إذا أُلزم الوقف بحكم قاضٍ، أو عُلق على ما بعد الموت فيأخذ حينها حكم الوصية ويُنفذ في حدود ثلث التركة.([26])
الفرع الأول: التكييف الفقهي لعقد الوقف عند أبي حنيفة
وقد بنى الإمام أبو حنيفة حكمه هذا على تكييف فقهي دقيق؛ حيث يرى أن صيغة الوقف لا تفيد تمليك رقبة العقار للجهة الموقوف عليها، بل تفيد التبرع بالمنفعة فقط. ومن هنا جاء تعريفه الشهير للوقف بأنه: “حبس العين على ملك الواقف، والتصدق بمنفعتها”. ولما كانت العين الموقوفة باقية في ملك صاحبها، فإن هذا العقد يُلحق في طبيعته الفقهية بأحكام “العارية” و”الوديعة”؛ فكما أن للمعير حق استرداد عاريته متى شاء، وللمودع حق استرجاع وديعته، فكذلك للواقف حق فسخ الوقف واسترداد ماله. فالصدقة بالمنفعة بمجرد القول لا تُسقط الملكية، بل تُعد إباحة لمنفعة يجوز الرجوع فيها بإرادة الواقف المنفردة، كونه عقداً تبرعياً لا يُلزم الطرف المانح بالاستمرار فيه.([27])
الفرع الثاني :أدلة الإمام أبي حنيفة من النقل والمعقول
(أولا:) الأدلة النقلية لمذهب أبي حنيفة: وقد استند الإمام أبو حنيفة في تقرير عدم لزوم الوقف إلى جملة من الأدلة النقلية والعقلية المعتبرة. فمن الأدلة النقلية ما روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: ” لا حَبْسَ عن فرائض الله ” [28] ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن الشريعة الإسلامية قد حددت الفرائض المواريث كحقوق مالية لازمة تنتقل بموجبها الملكية إلى الورثة بعد الوفاة، وعليه فإن حبس المال وتأبيده كوقف يمنع انتقال هذه الثروة للورثة، مما يُعد إبطالاً لحقهم المفروض شرعاً. كما استأنس المذهب الحنفي بما أُثر عن شريح القاضي -رحمه الله- أنه قال: “جاء محمد ﷺ ببيع الحُبُس”، في إشارة إلى إبطال الإسلام لما كان متعارفاً عليه في الجاهلية من حبس الأموال وتأبيدها لمنع بيعها أو توريثها.([29])
(ثانيا:)الأدلة العقلية والقياس الاستصحاب: أما من حيث القياس والنظر الأصولي، فقد اعتمد أبو حنيفة على استصحاب الأصل في الملكية؛ فالعين الموقوفة قبل التلفظ بالوقف كانت ملكاً خالصاً للواقف، ولا يزول هذا الملك إلا بسبب شرعي ناقل للملكية كالبيع أو الهبة المقبوضة ، ولأن التصدق بالمنفعة في الوقف لا يرافقه تمليك لرقبة العقار لجهة محددة يمكنها قبضه وحيازته، فإنه يُقاس على الهبة قبل القبض، وعلى الوصية قبل الموت، وكلاهما من العقود الجائزة التي يصح الرجوع فيها شرعاً. وبذلك، يستمر بقاء العين الموقوفة في ضمان الواقف وتحت تصرفه.([30])
المطلب الثاني: مذهب الصاحبين وجمهور الفقهاء في لزوم الوقف
يُعد هذا المطلب المحور الأساسي لفهم استقرار أحكام الوقف في الفقه الإسلامي؛ فبالرغم من أن الإمام أبا حنيفة يرى عدم لزوم الوقف، إلا أن أشهر تلاميذه الصاحبين قد خالفا إمامهما في هذه المسألة، وقررا لزوم الوقف. وقد أدت هذه المخالفة إلى نتيجة بالغة الأهمية، وهي توافق المذهب الحنفي في مآله مع عمل الأمة ورأي جمهور الفقهاء الذين يؤكدون أن الوقف تبرع لازم يخرج به المال عن ملك صاحبه بشكل نهائي.([31])
الفرع الأول: موقف الصاحبين أبي يوسف ومحمد واختلافهما في شروط اللزوم
اتفق الإمامان، أبو يوسف القاضي ومحمد بن الحسن الشيباني -رحمهما الله- على مخالفة شيخهما الإمام أبي حنيفة، وقررا أن الوقف “عقد لازم” لا يحق للواقف الرجوع فيه. ويرى الصاحبان أن ملكية الواقف تزول عن العين الموقوفة لتنتقل إلى “حكم ملك الله تعالى”، في حين تُصرف منافعها للموقوف عليهم. ورغم اتفاقهما المبدئي على تقرير “لزوم الوقف”، إلا أنهما اختلفا في الشرط المُوجب لهذا اللزوم، وطريقة تمام العقد.([32])
ففيما يخص مذهب الإمام أبي يوسف، فقد ذهب إلى أن الوقف عقد لازم بمجرد التلفظ بصيغته كأن يقول: وقفت هذا، دون الحاجة إلى حكم قاضٍ بإلزامه، ودون اشتراط تسليم العين الموقوفة لمتولي الوقف. وقد بنى أبو يوسف تكييفه الفقهي على أن الوقف هو “إسقاط للملك” وليس تمليكاً للعباد، فقاسه على “الإعتاق”؛ فكما أن العبد يُعتق بمجرد التلفظ بكلمة العتق ويزول ملك سيده عنه فوراً، فكذلك الوقف يزول به ملك الواقف عن العين بمجرد القول، فتنقطع علاقته بها تماماً، ولا يحق له بيعها أو توريثها.([33])
أما الإمام محمد بن الحسن الشيباني، فقد وافق أبا يوسف في كون الوقف عقداً لازماً يُزيل الملكية، لكنه اشترط لتمام هذا اللزوم شرطين أساسيين هما: الإفراز، والتسليم والقبض ، فلا يكتفي الإمام محمد بمجرد التلفظ الشفهي بالوقف، بل يوجب على الواقف أن يفرز العين الموقوفة ويسلمها فعلياً إلى “متولي الوقف” الناظر ، وبنى الإمام محمد رأيه على تكييف الوقف بأنه يجمع بين معنى “الهبة” ومعنى “الصدقة”، وكما أن الهبة والصدقة لا تلزمان شرعاً إلا بالقبض وحيازة الموهوب له، فكذلك الوقف لا يلزم ولا يتحقق غرضه إلا بتسليم العين الموقوفة لمتوليها، فإذا تم القبض لزم الوقف وامتنع الرجوع فيه.([34])
الفرع الثاني: التوافق مع جمهور الفقهاء والقول المفتى به
بإقرار الصاحبين لمبدأ “لزوم الوقف”، اقترب المذهب الحنفي بشكل كبير من الرأي الذي أجمع عليه جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة، والذين يتفقون على أن الوقف مؤسسة ديمومة لا يجوز تغييرها أو الرجوع فيها متى ما استوفت شروط صحتها. وتكاد تعاليم المذهبين الشافعي والحنبلي تتطابق تماماً مع رأي الإمام أبي يوسف؛ إذ يقرران أن الوقف عقد لازم بمجرد التلفظ بالصيغة من المالك أو وليه، فبمجرد صدور القول تسقط ملكية الواقف وتستقر العين وقفاً نافذاً.
أما المالكية، فقد أقروا بمبدأ لزوم الوقف بمجرد التلفظ به، بحيث يمتنع على الواقف نقضه بإرادته. ولكنهم من جهة أخرى توافقوا مع الإمام محمد بن الحسن في الجانب العملي المتعلق باشتراط “الحيازة والقبض”؛ إذ يشترط المالكية لتمام الوقف ونفاذه أن تتم حيازته فعلياً قبل حدوث مانع طارئ يمنع تبرع الواقف، كالموت، أو الإفلاس، أو المرض المخوف مرض الموت، فإن طرأ المانع قبل الحيازة بطل الوقف ولم ينفذ.
وخلاصة القول، إن موقف الصاحبين أرسى توازناً استراتيجياً داخل المذهب الحنفي، وقد استقرت الفتوى في المذهب على رأي الإمام أبي يوسف بأن الوقف يلزم بمجرد القول؛ وذلك لما فيه من ترغيب للناس في إنشاء الأوقاف، وحماية لأصولها من تراجع الواقفين أو طمع الورثة. وهذا الترجيح يتوافق تماماً مع المقاصد العليا للشريعة الإسلامية في حفظ الأوقاف، ويتماشى مع ما استقر عليه العمل لدى جمهور فقهاء الأمصار.
المطلب الثالث: مذاهب الأئمة الثلاثة في إثبات اللزوم وأدلة الجمهور
الفرع الأول: ثبوت لزوم الوقف بالقول والفعل عند الأئمة الثلاثة
اتفق أئمة المذاهب الثلاثة المالكية، والشافعية، والحنابلة على المبدأ الأساسي المتمثل في لزوم الوقف؛ حيث يرون أنه تبرع يزيل ملكية الواقف عن العين الموقوفة لتستقر على حكم ملك الله تعالى، ضماناً لاستدامة الانتفاع بها. وقد بينوا طرق إثبات هذا اللزوم وانعقاده من خلال الدلالة القولية أو الفعلية. ففي مذهب الشافعية والحنابلة، يُعد الوقف عقداً لازماً بمجرد التلفظ بالصيغة الدالة عليه كقول الواقف : وقفت أو حبست، فبمجرد ثبوت صدور القول ، تلزم العين وتصبح وقفاً نافذاً لا يجوز الرجوع فيه، ولا يشترطون في ذلك حكماً قضائياً أو تفويضاً.
وقد وسع الحنابلة ومعهم الشافعية في بعض الأوجه ، نطاق انعقاد الوقف، وقرروا أنه يثبت ويكون لازماً بـ “الفعل” الدال عليه المعاطاة دون الحاجة إلى التلفظ بصيغة؛ فمن بنى مسجداً في أرضه، وأفرزه عن أملاكه، وأذن للناس بالصلاة فيه فصَلَّوا، زال ملكه ولزم وقفه ، ومثل ذلك من جعل أرضه مقبرة وأذن بدفن الموتى فيها. فالوقف عندهم ينعقد بكل فعل يدل دلالة واضحة على نية الواقف في تخصيص العين للجهة الموقوف عليها.
أما المالكية، بالرغم اتفاقهم على مبدأ اللزوم، فقد اشترطوا لتمامه وانعقاده شرط “الحيازة” القبض. فيجب أن يَحوز الموقوف عليه أو متولي الوقف العين الموقوفة قبل أن يطرأ على الواقف مانع قاهر يمنع التبرع، كالموت، أو مرض الموت المخوف، أو الإفلاس ، فإذا أعلن الواقف عن وقفه وتمت حيازته، صار لازماً ونافذاً ، أما إذا تراخى الواقف في تسليمه حتى طرأ عليه الموت أو الإفلاس قبل وقوع الحيازة، فإن الوقف يبطل ويُرد المال ليكون تركة للورثة أو لسداد الدائنين.
الفرع الثاني: أدلة الجمهور والصاحبين على لزوم الوقف
يعتمد جمهور الفقهاء المالكية، والشافعية، والحنابلة ومعهما صاحبا أبي حنيفة أبو يوسف ومحمد بن الحسن، على منظومة قوية من الأدلة النقلية والإجماع لإثبات لزوم الوقف، وزوال ملك الواقف عنه، وامتناع رجوعه فيه. ومن أشهر هذه الأدلة:
أولاً: الدليل من السنة النبوية المطهرة حديث عمر رضي الله عنه: يُعد هذا الحديث العمدة والركيزة الأساسية لجمهور الفقهاء في إثبات لزوم الوقف. فقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصاب أرضاً بخيبر، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس عندي منها، فما تأمرني به؟ فقال النبي ﷺ: “إن شئت حبّست أصلها وتصدقت بها”[35]، فتصدق بها عمر، على ألا يُباع أصلها، ولا يُبتاع، ولا يُورث، ولا يُوهب.
ويتجلى وجه الدلالة من هذا الحديث الشريف في أن نفي النبي ﷺ أو إقراره لشرط عمر لجواز البيع والهبة والميراث يُعد نصاً قاطعاً في لزوم الوقف ، فامتناع هذه التصرفات الثلاثة يعني زوال حق الواقف في التصرف في العين الموقوفة؛ إذ لو كان الوقف عقداً غير لازم ويحق للواقف الرجوع فيه كما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة، لجاز له بيعه أو هبته، ولانتقل بالضرورة إلى ورثته بعد وفاته،وهو ما يتصادم بشكل صريح ومباشر مع منطوق هذا الحديث الصحيح
ثانيا ً: الدليل من الإجماع: الإجماع السكوتي للصحابة : تواتر عن كبار الصحابة الكرام رضي الله عنهم ، كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير، وغيرهم ، إيقاع الأوقاف وتسبيل أموالهم في وجوه الخير، وقد شاع هذا الصنيع واشتهر بينهم، ولم يُنقل أو يُحفظ عن أحد منهم قط أنه رجع في وقفه أو نقضه أو استرده ، فكان استمرارهم على إمضاء الأوقاف، مع علم الباقين وعدم إنكارهم، بمثابة “إجماع سكوتي” قاطع على أن الوقف عقد لازم بمجرد صدوره وثبوته.([36])
المطلب الرابع: المناقشة والترجيح
بعد استعراض المذاهب الفقهية المختلفة، وتبيان أسس الخلاف حول الطبيعة الشرعية لعقد الوقف ومدى لزومه، تقتضي المنهجية العلمية إخضاع هذه الآراء للتحليل النقدي والمناقشة المستفيضة ، ويهدف هذا الإجراء إلى ترجيح القول الذي تسنده قوة الدليل، ويتوافق مع المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية ، وسيتناول هذا المطلب مسار الترجيح عبر فرعين أساسيين.
الفرع الأول: مناقشة أدلة المانعين للزوم والرد عليها
استند الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- في نفيه للزوم الوقف إلى جملة من الأدلة النقلية والقياسية، والتي بتسليط ميزان النقد العلمي عليها ومقارنتها بأدلة جمهور الفقهاء، يمكن مناقشتها والرد عليها من وجهين. الوجه الأول يتعلق بالاستدلال بحديث: “لا حَبْسَ عن فرائض الله“[37]؛ فقد ناقش الجمهور هذا الاستدلال سنداً ومتناً. فمن حيث السند، يُعد هذا الحديث ضعيفاً لا يقوى على معارضة الأحاديث الصحيحة الصريحة، كحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي يمنع بيع الموقوف وتوريثه. أما من حيث المتن، وعلى فرض ثبوته، فإن “الحبس” المنهي عنه هنا يُحمل على ما كان يفعله أهل الجاهلية من حبس الأنعام للطواغيت كالبحيرة والسائبة، وهو ما أبطله الإسلام لسده باب الشرك. كما يُحمل على الأوقاف التي يُقصد بها الإضرار بالورثة وحرمانهم من حقوقهم الشرعية، وليس المنع منصباً على أصل الصدقات الجارية المحمودة.
أما الوجه الثاني، فينصب على مناقشة القياس؛ فقد قاس الإمام أبو حنيفة الوقف على “العارية” إعارة المنفعة لتبرير جواز الرجوع فيه، وهو قياس مع الفارق. فالعارية تمليك مؤقت للمنفعة، ولا تكتسي طابع القربة المحضة أو الديمومة، في حين أن الوقف في جوهره “صدقة جارية” يُبتغى بها ثواب الآخرة واستمرار النفع وتأبيده. ولما كانت نية الواقف منصرفة إلى التقرب إلى الله تعالى تقرباً مؤبداً، كان القياس الأصح والأولى هو إلحاق الوقف بـ “العتق” الذي يُسقط الملكية ويلزم بمجرد القول ولا يصح الرجوع فيه، وليس إلحاقه بالعقود الجائزة كالعارية.
الفرع الثاني: بيان القول الراجح وتوجيهه المقاصدي:
بناءً على ما تقدم من دراسة مستفيضة لأدلة الفريقين ومناقشتها، يخلص البحث إلى ترجيح رأي جمهور الفقهاء وصاحبي أبي حنيفة الإمامين أبي يوسف ومحمد بن الحسن، القاضي بأن الوقف “عقد لازم” متى ما استوفى شروطه المعتبرة، سواء أكان اللزوم بمجرد القول كما ذهب إليه أبو يوسف والشافعية والحنابلة، أو باشتراط القبض والحيازة كما هو مذهب الإمام محمد والمالكية ، ويترتب على هذا اللزوم انقطاع حق الواقف في استرداد العين الموقوفة أو التصرف فيها ببيع أو هبة، فضلاً عن امتناع انتقالها إلى ورثته.
ويستند هذا الترجيح إلى اعتبارات أثرية ومقاصدية متينة. فمن حيث قوة الأدلة ووضوحها، يقف حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه كالنص القاطع في إثبات لزوم الوقف؛ إذ صرح فيه النبي ﷺ بقوله: “لا يُباع أصلها ولا يُبتاع ولا يُورث ولا يُوهب “([38])، وهي دلالة صريحة لا تقبل التأويل على خروج العين من ملك الواقف. وتقديم العمل بهذا النص الثابت الصريح أولى من التعويل على الأقيسة ، ويُعضد هذا الموقف التطبيق العملي المتواتر للصحابة رضي الله عنهم، الذين أوقفوا أموالهم ولم يُنقل عن أحد منهم أنه رجع في وقفه أو نقضه.
أما من منظور مقاصد الشريعة الإسلامية والمصلحة العامة، فإن القول بلزوم الوقف ينسجم تماماً مع الغايات الكبرى للتشريع في حفظ الأموال ورعاية المصالح المجتمعية. فالأوقاف تمثل ركيزة لمؤسسات اجتماعية واقتصادية تهدف إلى سد حاجة المحتاجين، وضمان استدامة تمويل المرافق الحيوية كالمساجد والمدارس والمستشفيات ، ولو أُجيز للواقف نقض وقفه واسترداده في أي وقت، لاختلت هذه المنظومة، ولضاعت حقوق المستفيدين، ولأحجم الناس عن الإسهام في هذا الباب العظيم لانعدام الثقة في استمراريته وثباته.([39])
المبحث الثاني: ما يثبت به لزوم الوقف: شروط اللزوم الطارئة
المطلب الأول: حكم القاضي وأثره في لزوم الوقف
يُعد هذا الموضوع من أهم المباحث الفقهية والعملية المتعلقة بالأوقاف؛ إذ يعالج إشكالية شرعية نتجت عن رأي الإمام أبي حنيفة -رحمه الله- الذي قرر أن عقد الوقف في أصله “غير لازم” عقد جائز ، وحرصاً من المنظومة الفقهية الإسلامية على استقرار الأوقاف وديمومتها وحمايتها من التقلبات، فقد وضع الفقهاء وسائل وإجراءات شرعية وقضائية لتحويل الوقف من عقد جائز قابل للفسخ، إلى عقد بات ولازم لا يجوز للواقف الرجوع فيه، وتنقطع به حقوق ورثته تماماً ، وسأتناول في هذا القسم إحدى أهم هذه الوسائل المعتمدة لتحقيق لزوم الوقف.
الفرع الأول: أثر حكم القاضي في رفع الخلاف الفقهي
يتفق علماء المذهب الحنفي قاطبة على أن الوقف، وإن كان عقداً غير لازم في أصله عند الإمام أبي حنيفة، فإنه ينقلب إلى عقد لازم ونهائي لا رجعة فيه إذا صدر به حكم قضائي يقر بصحته ونفاذه. وتستند هذه القاعدة إلى أصل فقهي متفق عليه وهو أن “حكم الحاكم يرفع الخلاف”؛ فبما أن مسألة لزوم الوقف تُعد من المسائل الاجتهادية التي يسوغ فيها الخلاف بين فقهاء الأمة بل وداخل المذهب الحنفي نفسه بين أبي حنيفة وصاحبيه، فإن قضاء القاضي بلزوم الوقف يحسم هذا النزاع الاجتهادي، ويُثبت الحكم الشرعي بصورة قطعية تمنع نقضه.([40])
واستناداً إلى هذا المبدأ، أقرّ الإمام أبو حنيفة نفسه بأنه إذا رُفعت دعوى بصحة الوقف أمام القاضي، وحكم القاضي بلزومه، فإن هذا الحكم القضائي يُسقط حق الواقف في الرجوع وإلغاء وقفه نظراً لتمتع القاضي بولاية الإلزام. وبمجرد صدور هذا الحكم، ينقطع حق الواقف في العين الموقوفة انقطاعاً تاماً، وتصبح وقفاً مؤبداً تُطبق عليه أحكام اللزوم كباقي المذاهب، فلا يجوز بيعها، ولاهبتها، ولاتوريثها.([41])
الفرع الثاني: التخريج الإجرائي (الحيلة الفقهية للحكم بلزوم الوقف عند الحنفية)
نظراً للحاجة الماسة إلى تأمين الأعيان الموقوفة وحمايتها من تراجع الواقفين أو طمع ورثتهم بعد وفاتهم، ولأن محاكم بعض الدول الإسلامية كالدولة العثمانية كانت تعتمد المذهب الحنفي كقانون رسمي للقضاء، فقد ابتكر فقهاء الحنفية مخرجاً قضائياً دعوى صورية مشروعة يمنح الوقف صفة اللزوم التام والاستقرار، ويخرج به من دائرة الخلاف الفقهي حول جواز الرجوع فيه.([42])
وتتلخص صورة هذا الإجراء القضائي في أن يقوم الواقف بتسجيل وقفه وتعيين ناظر متولٍ للإشراف عليه. بعد ذلك، يرفع الواقف دعوى صورية أمام القاضي، يطالب فيها بإبطال وقفه واسترداد ماله مستنداً في دعواه إلى رأي الإمام أبي حنيفة الذي يبيح للواقف الرجوع. وفي المقابل، يتولى ناظر الوقف المرافعة والدفاع عن صحة الوقف ومخاصمة الواقف، مطالباً بإمضائه مستنداً في دفاعه إلى رأي الإمامين أبي يوسف ومحمد، أو رأي جمهور الفقهاء القاضي بلزوم الوقف وديمومته.([43])
وعند بلوغ المرافعة هذه المرحلة، يتدخل القاضي -الذي غالباً ما يميل إلى ترجيح لزوم الوقف تحقيقاً للمصلحة العامة- فيرفض دعوى الواقف، ويُصدر حكماً قضائياً نهائياً ومبرماً يؤكد صحة الوقف ولزومه. ومن خلال هذا التخريج القضائي المحكم، يتحقق هدفان رئيسيان:أولهما استيفاء القواعد الإجرائية الشرعية بوجود خصومة حقيقية تبيح للقاضي إصدار حكم يرفع الخلاف، وثانيهما تحقيق المقصد الشرعي الأسمى المتمثل في حماية أصل الوقف، وضمان استمرار العمل الخيري، وقطع الطريق نهائياً أمام الواقف أو ورثته مستقبلاً للمطالبة بالمال، ليصبح الوقف بذلك عقداً لازماً وباتاً بقوة القضاء.([44])
المطلب الثاني: تعليق الوقف إلى ما بعد الموت (الوصية بالوقف)
يُعدّ تعليق الوقف أو إضافته إلى ما بعد موت الواقف مسلكاً شرعياً آخر يُحوّل عقد الوقف من عقد جائز يصح الرجوع فيه كما هو الأصل عند الإمام أبي حنيفة إلى عقد باتّ وملزم ونافذ ، وتتضمن هذه الصورة الفقهية أحكاماً تفصيلية توازن بدقة بين تلبية رغبة الواقف في التقرب إلى الله تعالى بأعمال البر بعد مماته، وبين حفظ الحقوق المالية المقررة شرعاً لورثته. وسيتضح هذا التفصيل من خلال الفرعين الآتيين:([45])
الفرع الأول: التكييف الفقهي لإضافة الوقف إلى ما بعد الموت
تتحقق هذه الصورة حينما يُنشئ الواقف وقفه معلقاً إياه على وفاته، كأن يقول: “إذا متُّ فبيتي هذا وقف للفقراء”، أو “أوصيت بأرضي وقفاً بعد وفاتي”. في هذه الحالة، يتفق الإمام أبو حنيفة مع صاحبيه وجمهور الفقهاء على أن هذا التصرف لا يندرج تحت أحكام “الوقف المُنجز في الحياة”، بل يأخذ التكييف الفقهي لأحكام “الوصية” ولما كانت الوصية تصرفاً مضافاً إلى ما بعد الموت، فإن هذا الوقف يظل عقداً غير لازم طيلة حياة الواقف الموصي، ويثبت له كامل الحق في الرجوع فيه وإلغائه متى شاء كسائر الوصايا ، ولكن بمجرد وفاته، ينقضي حقه في الرجوع، ويصبح الوقف لازماً ونافذاً، وتستقر العين الموقوفة كوقف مؤبد لا يجوز للورثة إبطاله أو اقتسامه.([46])
الفرع الثاني: نفاذ الوصية بالوقف وحدود الثلث الشرعي
على الرغم من أن هذا النوع من الوقف يأخذ وضع الوصية، إلا أنه لا ينفذ في كامل أملاك الواقف بشكل مطلق؛ بل يخضع للضوابط الشرعية المنظمة للوصايا حمايةً لحقوق الورثة في التركة. وبناءً على ذلك، يُصبح الوقف المضاف إلى ما بعد الموت لازماً ونافذاً في حق الورثة في حدود “ثلث التركة” فقط، وذلك بعد سداد الديون وتجهيز الميت. فإذا كانت قيمة العين الموقوفة تعادل ثلث التركة فأقل، نُفذ الوقف كاملاً ، أما إذا تجاوزت قيمتها الثلث كأن يوصي بوقف كامل أملاكه، فإن نفاذ الوقف ينحصر في الثلث بقوة الشرع، ويتوقف نفاذ ما زاد عن الثلث على إجازة الورثة. فإن أجازوه نفذ الوقف في الزيادة،وإن رفضوه بطل الوقف فيما زاد عن الثلث، وعاد ليكون إرثاً يُقسم بينهم وفقاً لأنصبتهم الشرعية.([47])
المطلب الثالث: الإفراز والتسليم الفعلي (القبض والحيازة)
يُعد تسليم العين الموقوفة وفرزها ركيزة أساسية لدى بعض الفقهاء للحكم بلزوم الوقف وانقطاع حق الرجوع فيه. ولا يقتصر نظرهم الفقهي على تحديد الصيغة القولية المُنهية لحق الواقف فحسب، بل يمتد ليشمل الخطوات العملية اللازمة لرفع يده وسيطرته الفعلية عن العين الموقوفة بشكل كامل، وهو ما سيتضح في الفرع التالي:([48])
الفرع الأول: الخلاف بين الصاحبين في اشتراط الإفراز والقبض للزوم الوقف
شهد المذهب الحنفي نقاشاً فقهياً دقيقاً بين الصاحبين، أبي يوسف ومحمد بن الحسن، حول السبل المُثبتة للزوم الوقف، وذلك بعد اتفاقهما من حيث المبدأ على أنه عقد لازم. فقد ذهب الإمام أبو يوسف إلى أن الوقف يلزم بمجرد التلفظ بالصيغة الشفهية، دون الحاجة إلى حيازة العين الموقوفة أو قبضها، بانياً مذهبه على أن الوقف هو “إسقاط للملك”، فشبهه بـ “العتق” عتق الرقيق الذي يتم ويلزم بمجرد القول وتبرأ به الذمة. في المقابل، خالف الإمام محمد بن الحسن أبا يوسف في ذلك، واشترط لتمام لزوم الوقف شرطين عمليين وهما: “الإفراز” بفصل العين الموقوفة وتمييزها عن باقي أملاك الواقف إن كانت مشاعة ، و”التسليم” بأن يعين الواقف ناظراً ويتولى تسليمه العين فعلياً. وقد أسس الإمام محمد رأيه على أن الوقف يشتمل على معنى التمليك والتبرع بالمنفعة، فقاسه على “الهبة” و”الصدقة”؛ فكما أن الهبة لا تلزم شرعاً ولا تتم إلا بقبض الموهوب له، فإن الوقف لا يلزم الواقف إلا بتسليم العين للناظر، وعليه، فإن تلفظ الواقف بالوقف ولم يُسلّم العين، جاز له الرجوع فيه، أما إذا فرزها وسلمها للجهة المستفيدة، فقد لزم وقفه وامتنع رجوعه.([49])
الفرع الثاني: مقارنة شرط القبض مع المذهب المالكي (الحيازة قبل المانع)
يتقاطع رأي الإمام محمد بن الحسن في اشتراط القبض مع ما ذهب إليه فقهاء المذهب المالكي، غير أن المقارنة الدقيقة تظهر فروقاً جوهرية في التكييف والأثر: يتفق المالكية مع الإمام محمد في ضرورة “الحيازة” القبض العملي ورفع يد الواقف عن العين وتسليمها للناظر أو المستفيدين لكي يستقر الوقف. إلا أن المالكية يرون أن التلفظ بالوقف “يُلزم” الواقف بالتبرع عكس محمد الذي يرى أن اللزوم لا يبدأ إلا بالقبض، غير أنهم يشترطون الحيازة لـ “تمام الوقف ونفاذه في حق الغير”. وتبرز أهمية الحيازة عند المالكية في ارتباطها بـ “الموانع” كالموت، أو المرض المخوف، أو الإفلاس. فإذا أوقف شخص عيناً ولم تُحَزْ منه حتى نزل به مانع كموته، فإن الوقف يبطل وتعود العين للورثة. لذا، اشترط المالكية لضمان ديمومة الوقف ولزومه العملي أن يتم إفراز العين وحيازتها حيازة فعلية قبل حدوث أي مانع طارئ للواقف، وهو ما يؤكد حرص الفقه الإسلامي عند محمد بن الحسن والمالكية على اقتران النية القولية بالواقع المادي لقطع دابر المنازعات.([50])
المبحث الثالث: الآثار الفقهية المترتبة على جواز الرجوع في الوقف
تتجلى الثمرة العملية والآثار الفقهية للخلاف الحاصل في مسألة “لزوم الوقف وجواز الرجوع فيه” من خلال التصرفات التي يُجريها الواقف على العين الموقوفة. ولا يقتصر هذا الجدل على المباحث النظرية بين الفقهاء، بل تترتب عليه نتائج فقهية وقضائية بالغة الأهمية تتعلق باستقرار المعاملات المالية، وتحديد المآل الشرعي للأعيان الموقوفة، وهو ما سيتضح جلياً في المطالب الآتية.
المطلب الأول: تصرف الواقف في العين الموقوفة وإدارتها
تظهر أبرز الآثار المباشرة للقول بجواز الرجوع في الوقف في مدى أحقية الواقف في التصرف في العين الموقوفة خلال حياته؛ وذلك عبر إبرام تصرفات ناقلة للملكية كالبيع أو الهبة. وتُفصّل نتائج هذا الخلاف الفقهي في الفرعين التاليين:
الفرع الأول: حكم تصرف الواقف في العين بناءً على القول بعدم اللزوم مذهب أبي حنيفة
استناداً إلى التكييف الفقهي للإمام أبي حنيفة -رحمه الله-، الذي يرى أن عقد الوقف “عقد جائز غير لازم”، وأنه مجرد تصدق بالمنفعة لا يُسقط ملكية الواقف عن رقبة العقار؛ فإن النتيجة الفقهية المترتبة على ذلك هي بقاء العين الموقوفة تحت التصرف الكامل للواقف ، وبناءً على ذلك، يجوز للواقف في أي وقت من حياته الرجوع في وقفه، وبيع العين الموقوفة، أو هبتها، أورهنها ، وإذا أقدم الواقف على البيع أو الهبة ، فإن تصرفه يُعد صحيحاً ونافذاً شرعاً، وتنتقل بموجبه الملكية نهائياً إلى المشتري أو الموهوب له، وينفسخ عقد الوقف تلقائياً ، ويبقى هذا الحكم المبيح للتصرف سارياً ما لم يصدر حكم قضائي يلزم الواقف بصحة الوقف ولزومه؛ فإذا ظل الوقف على أصله دون حكم، بقي حق الواقف في الرجوع أو نقل الملكية قائماً ومطلقاً.([51])
الفرع الثاني: حكم تصرف الواقف في العين بناءً على القول باللزوم (مذهب الصاحبين والجمهور)
في المقابل، يبرز الرأي الفقهي القائل بـ “اللزوم”، وهو مذهب الصاحبين أبي يوسف ومحمد بن الحسن وجمهور أئمة المذاهب الثلاثة المالكية، والشافعية، والحنابلة ، وبناءً على هذا القول، فإن عقد الوقف يقطع صلة الواقف بالعين الموقوفة ويزيل ملكيته عنها، لتستقر على “حكم ملك الله تعالى”. وبالتالي، يُحظر على الواقف التصرف في العين الموقوفة بأي شكل من الأشكال الناقلة للملكية بمجرد تحقق شروط لزوم الوقف كالتلفظ بالصيغة أو القبض عند من اشترطه [52]
ولهذا التكييف آثار عملية قاطعة؛ فأي تصرف يبرمه الواقف لنقل ملكية العين الموقوفة ، سواء بالبيع، أو الهبة، أو المقايضة – يُعد تصرفاً باطلاً ولاغياً، ولا أثر له شرعاً أو قضاءً. فإذا باع الواقف العين الموقوفة، كان البيع فاسداً، ولا تنتقل الملكية للمشتري، ويجب إبطال العقد وإرجاع العين لتبقى وقفاً مؤبداً. ويستند هذا المنع الصارم إلى التطبيق الحرفي لقول النبي ﷺ الوارد في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لا يُباع أصلها ولا يُبتاع ولا يُورث ولا يُوهب” [53]، مما يرسخ حماية شرعية متينة تصون الأوقاف من تغير النوايا أو تقلب الظروف المالية للواقف.([54])
المطلب الثاني: أثر وفاة الواقف على العين الموقوفة (إرث الوقف)
يُعدّ مصير العين الموقوفة بعد وفاة الواقف من أهم المسائل الفقهية التي تظهر ثمرة الخلاف حول طبيعة “لزوم الوقف”؛ إذ يترتب على ذلك تحديد ما إذا كانت العين الموقوفة تدخل في تركة الواقف وتُنقل لورثته، أم أنها تخرج عن ملكه وتظل وقفاً مؤبداً. وتتباين الأحكام في هذه المسألة بين مذهب الإمام أبي حنيفة وجمهور الفقهاء وفقاً لتكييف كل منهم للوقف.([55])
الفرع الأول: أثر وفاة الواقف على العين الموقوفة عند الإمام أبي حنيفة
ينبني مذهب الإمام أبي حنيفة -رحمه الله- في هذه المسألة على أصله الذي يقرر أن الوقف عقد جائز غير لازم ما لم يصدر به حكم قضائي. وبناءً عليه، يرى الإمام أن الوقف لا يزيل ملكية الواقف عن العين الموقوفة، مما يعني أن العين تظل ملكاً خالصاً له طوال حياته. فإذا توفي الواقف قبل أن يُعرض وقفه على القاضي ليحكم بلزومه، فإن عقد الوقف ينفسخ بوفاته حكماً، وتصير العين الموقوفة جزءاً لا يتجزأ من تركته. وبناءً على ذلك، تُقسم هذه العين بين الورثة الشرعيين وفقاً لأنصبتهم المقررة في كتاب الله تعالى، ولهم كامل الحق في التصرف فيها بالبيع أو القسمة؛ استصحاباً للأصل في بقاء الملكية للواقف إلى حين وفاته. [56]
الفرع الثاني: أثر وفاة الواقف عند الصاحبين وجمهور الفقهاء
في المقابل، ذهب الإمامان أبو يوسف ومحمد بن الحسن، ومعهم أئمة المذاهب الثلاثة المالكية، والشافعية، والحنابلة، إلى حكم مغاير تماماً؛ فهم يرون أن الوقف عقد لازم بمجرد صدوره أو بعد القبض عند من اشترطه، مما يترتب عليه زوال ملكية الواقف عن العين الموقوفة فوراً،وبناءً على هذا التأصيل، فإن وفاة الواقف لا تؤثر إطلاقاً على استمرار الوقف؛ فالعين الموقوفة قد خرجت من ملكه وتعينت “حكماً لملك الله تعالى”، ومن ثم فهي لا تدخل في تركته، وليس للورثة أي حق في المطالبة بها أو وراثتها. وهذا المقتضى هو التطبيق العملي المباشر لقول النبي ﷺ في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لا يُباع أصلها ولا يبتاع ، ولا يُورث ولا يُوهب“.([57])
المطلب الثالث: إنهاء الوقف بالتراضي الإقالة
يُقصد بإنهاء الوقف بالتراضي ما يُعرف في الفقه الإسلامي بـ “الإقالة”، وهي فسخ العقد برضا الطرفين. وإذا كان هذا التصرف مقبولاً في عقود المعاوضات كالبيع، فإن إعماله في عقد الوقف يظل محكوماً بطبيعة الوقف من حيث اللزوم والجواز.
الفرع الأول: حكم إنهاء الوقف بالتراضي في مذهب أبي حنيفة
بناءً على المبدأ الفقهي للإمام أبي حنيفة، الذي يكيّف الوقف على أنه “عقد جائز” يملك فيه الواقف حق الرجوع، فإن للواقف حقاً مطلقاً في إلغاء وقفه أو إنهاؤه بإرادته المنفردة، دون الحاجة إلى موافقة الموقوف عليهم أو الناظر. ومن باب أولى، إذا تم هذا الإنهاء عن طريق “الفسخ بالتراضي” أي باتفاق الواقف مع الموقوف عليهم على إنهاء الوقف وإعادة المال إلى ملك الواقف، فإن هذا الاتفاق يكون صحيحاً ونافذاً شرعاً. فإذا كان للمانح حق الإنهاء المنفرد، فالاتفاق المتبادل مع الطرف الآخر يُنهي العقد دون اعتراض، وتُرد الأموال إلى الواقف ليتصرف فيها كما يشاء، لكونها لم تخرج عن ملكه أصلاً.([58])
أما عند جمهور الفقهاء بمن فيهم الصاحبان، وحيث إن الوقف عندهم عقد لازم بمجرد صدوره، فإن العين الموقوفة تخرج عن ملك الواقف وتصير حقاً لله تعالى أو حقاً للموقوف عليهم. وبناءً على ذلك، لا يملك الواقف حق الرجوع في وقفه، ولا يملك الموقوف عليهم حق التنازل عنه؛ لأن الوقف قد خرج عن ملك الواقف، ولم يتملك الموقوف عليهم رقبة العين ليصح منهم التنازل عنها، وإنما هم مستحقون للمنفعة فقط. وعليه، فإن أي اتفاق بين الواقف والموقوف عليهم على إنهاء الوقف يُعد اتفاقاً باطلاً لا أثر له؛ لأن الحق في الوقف قد تجاوز سلطة الأطراف، وأصبح حقاً لله تعالى لا يجوز إبطاله أو العودة عنه بأي اتفاق.([59])
الفرع الثاني: بطلان الإقالة في الوقف بناءً على القول باللزوم مذهب الجمهور والصاحبين
أما على رأي الصاحبين وجمهور الفقهاء وهو الرأي المفتى به والمعتمد قضاءً، فإن الإقالة في الوقف باطلة بطلاناً مطلقاً، ولا يجوز للواقف والموقوف عليه الاتفاق على إلغاء الوقف واسترداد العين بأي حال من الأحوال. ويعود السر الفقهي في هذا المنع إلى طبيعة عقد الوقف اللازم؛ فالوقف ليس عقد “معاوضة” بين الواقف والموقوف عليه حتى يملكا فسخه بالتراضي، بل هو إسقاط للملكية جُعلت فيه رقبة العين “لله تعالى”. وبما أن العين خرجت عن ملك الواقف، ولم تدخل في ملك الموقوف عليه الذي يملك المنفعة فقط ولا يملك الرقبة، فإنه لا الواقف ولا المستفيد يملك صلاحية نقض الوقف؛ لأن “الإقالة لا تصح إلا ممن يملك العقد”. وبالتالي، فإن أي اتفاق ودي أو تنازل من الموقوف عليه لصالح الواقف لإلغاء الوقف هو اتفاق مُنعدم شرعاً، ويبقى الوقف لازماً ومستمراً رغماً عن إرادة الطرفين.([60])
الخاتمة
وفي الختام يتضح أن مسألة لزوم الوقف ليست مجرد تفريع فقهي، بل هي صمام الأمان لاستقرار هذه الشعيرة العظيمة ، لقد أبان هذا البحث أن التنوع الفقهي داخل المذهب الحنفي، وتعدده مع مذاهب الجمهور، قد أسس لمنظومة متكاملة توازن بين حق الواقف في التصرف وبين مصلحة المجتمع في ديمومة الصدقة. وإذا كان الإمام أبو حنيفة قد انطلق من اعتبارات ملكية دقيقة، فإن الفتوى والعمل القضائي قد استقرا على قول الصاحبين والجمهور بلزوم الوقف، وهو ما يجب أن يُعزز في عصرنا الحاضر عبر التوثيق القضائي، لضمان حماية أعيان الأوقاف من النزاعات، وتحقيق مقصد الشارع في استمرار النفع العام.
أولاً: النتائج
توصلت هذه الدراسة إلى جملة من النتائج العلمية التي تُجلي مسألة “لزوم الوقف”، يمكن تلخيص أهمها في النقاط الآتية:
- أثبت البحث أن الخلاف في مسألة لزوم الوقف ليس مجرد خلاف لفظي، بل هو انعكاس لتكييفات أصولية متباينة؛ حيث انطلق الإمام أبو حنيفة من قياس الوقف على العقود الجائزة كالعارية لبقاء الملكية، بينما انطلق الصاحبان والجمهور من قياسه على العقود اللازمة كالعتق لإسقاط الملكية.
- أظهرت الدراسة قوة أدلة جمهور الفقهاء والصاحبين القائلة بلزوم الوقف، لا سيما استنادهم إلى حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وما تضمنه من نفي البيع والتوريث والهبة للأصل الموقوف، وهو ما يعد نصاً صريحاً في استلزام الديمومة.
- استخلص البحث أن المذهب الحنفي، وإن كان يقر في أصله رأي الإمام أبي حنيفة، إلا أن المفتى به والمعمول به في القضاء هو رأي الإمام أبي يوسف القائل بلزوم الوقف بمجرد القول؛ وذلك لما يحققه من استقرار للمؤسسة الوقفية، وسدٍ لذريعة التلاعب بالأموال، وضمانٍ لجريان الصدقة الجارية.
- تبيّن أن “التلازم” في الوقف عند المذهب الحنفي قد يتحقق بطرق إجرائية طارئة كالتحاكم للقاضي، أو تعليق الوقف بالموت الوصية بالوقف، أو التسليم الفعلي عند الإمام محمد، مما يُعطي مرونة فقهية كبرى لتوثيق الوقف وحمايته.
ثانياً: التوصيات
بناءً على ما تقدم من نتائج، يوصي الباحث بالآتي:
- تفعيل التوصية القضائية بضرورة “التسجيل الرسمي” لكل وقف أمام القضاء الشرعي، واعتبار هذا التسجيل بمثابة “حكم القاضي” الذي يرفع الخلاف ويُكسب الوقف صفة اللزوم القطعي الذي لا يقبل الرجوع، استناداً للتخريج الحنفي في حكم القاضي.
- دعوة الجهات المعنية بالأوقاف إلى إدراج شرط “اللزوم” ضمن نصوص وثائق الوقف المعاصرة، استئناساً بقول الإمام أبي يوسف وجمهور الفقهاء، لقطع النزاع المستقبلي بين الورثة أو بين الواقفين.
- التوصية بإعداد أدلة إجرائية موحدة للأوقاف المعاصرة تتضمن ضوابط “الإفراز والتسليم” شرط الإمام محمد، لضمان خلو العين الموقوفة من النزاعات عند تنفيذ الوقف
الفهارس :
أولاً: فهرس الآيات القرآنية
| م | الآية الكريمة | السورة | رقم الآية |
| 1 | ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ | البقرة | 215 |
| 2 | ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ | آل عمران | 92 |
| 3 | ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾ | البقرة | 267 |
| 4 | ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ | البقرة | 181 |
ثانياً: فهرس الأحاديث والآثار
| م | نص الحديث أو الأثر | تخريج الاحاديث والحديث المأثور |
| 1 | إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍة : صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ… | أخرجه الإمام مسلم في صحيحه |
| 2 | إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا | أخرجه الإمام البخاري ومسلم في صحيحهما |
| 3 | من يحفر بئر رومة فلة الجنة | أخرجه الإمام البخاري في صحيحه |
| 4 | بخ ، ذلك مال رابح ، ذلك مال رابح | أخرجه الإمام البخاري ومسلم في صحيحهما |
| 5 | إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما أستكرهوا عليه . | أخرجه ابن ماجه في سننه |
| 6 | لا حبس عن فرائض الله | أخرجه الدار قطني في سننه |
| 7 | لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُبْتَاعُ، وَلَا يُورَثُ، وَلَا يُوهَبُ | أخرجه الإمام مسلم في صحيحه |
| 8 | لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ذُو مَقْدِرَةٍ إِلَّا وَقَفَ وَقْفاً . | حديث مأثور وليس مرفوعاً عن الرسول عليه الصلاو والسلام ، وقد عد ابن قدامه هذا الحديث إجماعاً من الصحابه واشتهر بينهم ولم ينكروه عن الرسول عليه الصلاة والسلام ، ويمكن تخريج هذا الأثر من أحكام الأوقاف للخصاف والمغني وفتح الباري والسنن الكبرى للبيهقي . |
قائمة المصادر والمراجع :
أولاً: المصادر الفقهية الأصلية:
- سحنون، عبد السلام بن سعيد التنوخي. 1999. المدونة الكبرى. ط. 1. بيروت: دار الكتب العلمية. ج 4، ص 425-430.
- ابن حجر الهيتمي، أحمد بن محمد. د.ت. تحفة المحتاج بشرح المنهاج. المكتبة التجارية الكبرى. ج 6 ، ص 240-245
- ابن قدامة، موفق الدين عبد الله. 1997. المغني لابن قدامة. ط. 3. مكتبة القاهرة. ج 8، ص 182-205
- ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر. 1973. إعلام الموقعين عن رب العالمين. دار الجيل. ج 3، ص 164
- ابن منظور، محمد بن مكرم. 1994. لسان العرب. ط. 3. دار صادر. ج 9، ص 355
- ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم. 1997. البحر الرائق شرح كنز الدقائق. ط. 2. دار المعرفة. ج 5، ص 205-210.
- ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم. 1999. الأشباه والنظائر. دار الكتب العلمية. ص 135-140
- بارودي، محمد أمين بن عبدالرزاق. 2020. تحول الوقف: دراسة فقهية مقارنة. مجلة وقف، ع1 ، 134 – 203
- البهوتي، منصور بن يونس ، 1997. كشاف القناع عن متن الإقناع. دار الكتب العلمية. ج 4، ص 245-250
- البيهقي، أحمد بن الحسين. 2003. السنن الكبرى. دار المعرفة. ج 6، ص 155-160
- الجوهري، إسماعيل بن حماد. 1987. الصحاح في اللغة. ط. 4. دار العلم للملايين. ج 2، ص 480
- الخطيب الشربيني، محمد بن أحمد. 1994. مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج. دار الكتب العلمية. ج 2، ص 376-380
- الزيلعي، فخر الدين عثمان. 1895. تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق. المطبعة الكبرى الأميرية. ج 3، ص 285
- السرخسي، محمد بن أحمد. 1993. المبسوط. دار المعرفة. ج 12، ص 27-38
- السيوطي، جلال الدين. 1983. الأشباه والنظائر. دار الكتب العلمية. ص 100-105
- الشاطبي، إبراهيم بن موسى. 1997. الموافقات. دار ابن عفان. ج 2، ص 150-155
- الشوكاني، محمد بن علي. 1992. إرشاد الفحول. دار المعرفة. ج 2، ص 220
- الكاساني، علاء الدين. 1986. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع. ط. 2. دار الكتب العلمية. ج 6 ، ص 218-222
- مسلم، مسلم بن الحجاج. 1955. صحيح مسلم. دار إحياء التراث العربي. ج 3، ص 1250 كتاب الوصية.
ثانياً: المراجع والدراسات الحديثة:
- الخويلدي، يوسف محمد الصادق. 2025. الأحكام المتعلقة بلزوم الوقف عند الفقهاء: دراسة فقهية مقارنة. المجلة الإفريقية للدراسات المتقدمة في العلوم الإنسانية والاجتماعية، م4, ع1 ، 76 – 84.
- الراشد، علي إبراهيم عيسى. 2009. بيع الوقف: دراسة فقهية مقارنة. حولية کلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالإسکندرية، الإصدار25 ، 278 – 334
- الشهراني، حسين بن معلوي بن حسين آل معلوي. 2019. تأقيت الوقف: دراسة فقهية تأصيلية. مجلة الدراسات الإسلامية والبحوث الأكاديمية، ع 94 ، 101 – 140
- العنزي، وسمية شائز فرحان ، 2023 ، الوقف المنقطع: حقيقته ومآلاته وآثاره: دراسة فقهية مقارنة. مجلة الجامعة الإسلامية للعلوم الشرعية، م 57 , ع 207 ، 489 – 552
([1]) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الوصية، باب ما يلحق من الثواب بعد وفاته حديث رقم (1631) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
([2]) ينظر : ابن منظور، لسان العرب، مادة وقف، ج 9، ص 355
([3]) ينظر : الفيومي، المصباح المنير، مادة وقف، ص 652
([4]) ينظر: تعريف الوقف عند الحنفية : الكاساني، بدائع الصنائع، ج 6، ص 218
([5]) ينظر : في نص تعريف الصاحبين للوقف وبيان لزومه: الكاساني، بدائع الصنائع، ج6، ص218؛ وابن الهمام، فتح القدير، ج6، ص202، ينظر : لبيان اتفاق جمهور الفقهاء معهم في ثبوت اللزوم وزوال حق الواقف في التصرف: عند المالكية: الدردير، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي، بيروت ، دار الفكر ، ج4، ص75؛ وعند الشافعية: الخطيب الشربيني، مغني المحتاج، بيروت ، دار المعرفة، 1997 ، ج2، ص376؛ وعند الحنابلة : ابن قدامة، المغني ، القاهرة: مكتبة القاهرة، 1968)، ج8، ص184، والبهوتي، كشاف القناع، ج4، ص240.
([6]) ينظر: الفرق بين الحبس والوقف في المذهب المالكي: سحنون، المدونة الكبرى،، ج 4، ص 425.
([7]) ينظر : في التكييف الفقهي للوقف كإسقاط للملكية : النووي، المجموع، ج 15، ص 285.
([8]) ينظر : في دلالة “على حكم ملك الله”: ابن همام، فتح القدير، ج 6، ص 202.
(10) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه ، كتاب الشروط ، باب الشروط في الوقف ، حديث رقم : (2737) ، حديث عن ابن عمر رضي الله عنهما ، أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ، كتاب الوصية ، باب الوقف ، حديث رقم : ( 1632) عن حديث عبدالله ابن عمر رضي الله عنهما .
(11) ينظر : في مسألة الملكية في الوقف عند أبي حنيفة: السرخسي، المبسوط، ج 12، ص 27.
([12]) أخرج أصل هذا الأثر: الخصاف، أبو بكر أحمد بن عمرو، في أحكام الأوقاف، (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية)، ص15؛ والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الوقف، باب من جعل أرضه صدقة محرمة، ج6، ص160. وأورده بهذا اللفظ للاستدلال على إجماع الصحابة : ابن قدامة، المغني، ج8، ص185؛ والشربيني، مغني المحتاج، ج2، ص376.
([13]) انظر في أدلة مشروعية الوقف: البيهقي، السنن الكبرى، كتاب الوقف، ج 6 ، ص 155
([14]) انظر في الحكم التكليفي للوقف: الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، ج 10، ص 7595.
(15 ) أخرجه الخصاف، أبو بكر أحمد بن عمرو، في أحكام الأوقاف، (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية) ، ص15. وأورده بهذا اللفظ للاستدلال على إجماع الصحابة: ابن قدامة، المغني، ج8، ص185؛ والخطيب الشربيني، مغني المحتاج، ج2، ص376.
([16]) يُنظر : تفسير الآية وتنزيل أحكام الوصية على الوقف: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج2، ص262، وفي إقرار الفقهاء لقاعدة “شرط الواقف كنص الشارع” ومنعهم من تبديل شروطه ومصارفه، عند الحنفية: ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، (بيروت: دار الفكر)، ج4، ص343؛ وعند المالكية: الحطاب، مواهب الجليل، (بيروت: دار الفكر)، ج6، ص33؛ وعند الشافعية : الخطيب الشربيني، مغني المحتاج، ج2، ص391؛ وعند الحنابلة : البهوتي، كشاف القناع، ج4، ص265.
(17) حديث بئر رومة : أخرجه الإمام البخاري في صحيحه ، كتاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، باب مناقب عثمان بن عفان أبي عمرو القرشي رضي الله عنه .
(18) ينظر : حديث أبي طلحة (بيرحاء): أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة ، باب الزكاة على الأقارب ، حديث رقم : ( 1461 ) عن حديث انس بن مالك رضي الله عنه ، أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة ، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين ولو كانوا مشركين ، حديث رقم : (998) .
(19) ينظر : ابن قدامة المقدسي، المغني، (القاهرة: مكتبة القاهرة، 1968)، ج5، ص 564 ؛ والشربيني، الخطيب، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، (بيروت: دار المعرفة، 1997)، ج2، ص 376
(20) يُنظر: الكاساني، علاء الدين، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (بيروت: دار الكتاب العربي، 1982)، ج6، ص 219
(21) يُنظر لبيان خروج الوقف عن الملكية وتشبيهه بالعتق عند الصاحبين وجمهور الفقهاء: في مذهب الحنفية (رأي الصاحبين): الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج6، ص218-219؛ وعند المالكية: الدردير، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي، ج4، ص76؛ وعند الشافعية: الخطيب الشربيني، مغني المحتاج، ج2، ص376؛ وعند الحنابلة: ابن قدامة، المغني، ج8، ص185 (وقد نص صراحة على تشبيه لزوم الوقف بالعتق بقوله: “لأنه إزالة ملك لله تعالى، فأشبه العتق”)، والبهوتي، كشاف القناع، ج4، ص242.
(22) يُنظر : في تعريف الإمام أبي حنيفة للوقف وبيان أنه غير لازم ويشبه العارية: السرخسي، شمس الدين، المبسوط ، بيروت: دار المعرفة ، 1993)، ج12، ص27؛ والكاساني، علاء الدين، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، بيروت: دار الكتب العلمية، 1986، ج6، ص218. ولبيان الاستثناءات التي تلزم الوقف عنده (حكم القاضي أو الوصية): ابن الهمام، كمال الدين، فتح القدير، بيروت: دار الفكر ، ج6، ص203؛ وابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، ج4، ص338.
(23) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، حديث رقم (2045)؛ حديث صحيح وهذا إسناد منقطع ، فإن عطاء وهو ابن أبي رباح لم يسمعه من ابن عباس ، والواسطة بينهما عبيد بن عمير ، أخل بذكرها الوليد بن مسلم فإن له أوهاماً وذكرها بشير بن بكر التنيسي وهو ثقات أصحاب الأوزاعي و عبيد بن عمير ثقة ، والبيهقي في السنن الكبرى، ج7، ص356، رقم (14822). والحديث صححه الإمام النووي في الأربعين النووية (الحديث التاسع والثلاثون) .
(24) ينظر : البهوتي، منصور بن يونس. 1997. كشاف القناع عن متن الإقناع. دار الكتب العلمية. ج 4، ص 245-250.
(25) ينظر : السرخسي، المبسوط، ج 12، ص 27.
([26]) ينظر : الكاساني، بدائع الصنائع، ج 6 ، ص 218.
([27]) ينظر : ابن قدامة، المغني، ج 8، ص 182
([28]) أخرجه الدار قطني في سننه، كتاب الفرائض، حديث رقم (4062) عن حديث ابن عباس رضي الله عنهما. حكم الحديث : حديث ضعيف ، قال الدار قطني : لم يسنده غير ابن لهيعة عن أخيه وهما ضعيفان ، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الوقف، باب من زعم أن الوقف لا يزيل الملك، ج6، ص161. ويُنظر لتخريج الحديث وبيان كلام المحدثين فيه: الزيلعي، نصب الراية لأحاديث الهداية، (بيروت: مؤسسة الريان)، ج4، ص295؛ وابن حجر العسقلاني، التلخيص الحبير، (القاهرة: دار الحديث)، ج3، ص205.
([29]) ينظر : النووي، المجموع ، ج 15، ص 285
([30]) ينظر: السرخسي ، المبسوط ، كتاب الوقف ، ج 12 ، ص 27 ، 28 ، ابن همام ، فتح القدير ، كتاب الوقف ، ج 6 ، ص 200 ، الكاساني ، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ، كتاب الوقف ، فصل جواز الوقف وكيفيته ، ج 6 ، ص 218 .
([31]) ينظر : الخطيب الشربيني، مغني المحتاج، ج 2 ، ص 376
([32]) ينظر : تعريف الوقف عند الحنفية: ابن عابدين، رد المحتار، ج 4، ص 337.
([33]) ينظر : التفرقة بين الوقف والعارية: الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، ج 10، ص 7590.
([34]) ينظر : عند الإمام محمد بن الحسن في اشتراط الإفراز والقبض للزوم الوقف، وتخريجه ذلك على أحكام الهبة والصدقة: الكاساني، علاء الدين، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج6، ص219-220؛ والسرخسي، شمس الدين، المبسوط، ج12، ص27 وص35؛ والمرغيناني، علي بن أبي بكر، الهداية في شرح بداية المبتدي، (بيروت: دار إحياء التراث العربي)، ج3، ص14؛ وابن الهمام، فتح القدير، ج6، ص203.
(35) سبق ذكره في السابق ص 13 .
([36]) ينظر : الامام الشافعي، الأم، ج 4، ص 52 في بيان تأبيد الوقف.
سبق ذكره في السابق ص 20 . (37)
([38]) أخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب الوصية ، باب الوقف ، حديث رقم : ( 1632) عن حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، مع بيان وجه الترجيح بهذا الحديث، وتقديم النص على القياس، وحكاية الإجماع العملي للصحابة على لزوم الوقف وعدم الرجوع فيه: ابن قدامة، المغني، ج8، ص185 (حيث قال: “لأن الصحابة رضي الله عنهم وقفوا… ولم يُرو عن أحد منهم أنه رجع في وقفه”)؛ والكاساني، بدائع الصنائع، ج6، ص219 (في بيان استدلال الصاحبين وأدلة الجمهور)؛ وابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، بيروت ، دار المعرفة ، ج5، ص401.
([39]) يُنظر : للتأصيل المقاصدي العام في حفظ المصالح: الشاطبي، إبراهيم بن موسى، الموافقات، تحقيق: مشهور حسن، (دار ابن عفان)، ج2، ص150. ويُنظر للتطبيق المقاصدي للوقف وأثره الاجتماعي والاقتصادي وخطورة القول بعدم لزومه: أبو زهرة، محمد، محاضرات في الوقف، (القاهرة: دار الفكر العربي، 1959)، ص24-25؛ والزحيلي، وهبة، الفقه الإسلامي وأدلته، دمشق ، دار الفكر، ج10، ص7595 وص7603.
([40]) ينظر : السيوطي، الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية، دار الكتب العلمية، بيروت، 1983، ص 100
([41]) ينظر : الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتب العلمية، بيروت، 1986، ج 6 ، ص 220
([42]) يُنظر : للتفصيل في هذه الدعوى الصورية وإجراءاتها للحكم بلزوم الوقف في المذهب الحنفي: ابن عابدين، محمد أمين، رد المحتار على الدر المختار حاشية ابن عابدين ، بيروت ، دار الفكر، ج4 ، ص338 (مطلب: في لزوم الوقف بحكم الحاكم)؛ والطرابلسي، برهان الدين، الإسعاف في أحكام الأوقاف، ، مصر ، مطبعة هندية)، ص13، ينظر: للتطبيق القضائي لذلك في المحاكم الشرعية إبان الدولة العثمانية: أبو زهرة، محمد، محاضرات في الوقف ، القاهرة ، دار الفكر العربي ، 1959 ، ص55، ص57.
([43]) ينظر : السرخسي، المبسوط، دار المعرفة، بيروت، 1993، ج 12، ص 35.
([44]) ينظر : ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم. 1999. الأشباه والنظائر. دار الكتب العلمية. ص 135-140.
([45]) ينظر : العثماني، بحوث في فقه المعاملات المالية المعاصرة، دار القلم، دمشق، 2002، ص 450
([46]) ينظر : ابن قدامة، المغني، مكتبة القاهرة، 1997، ج 8، ص 185.
([47]) ينظر : رواية سحنون بن سعيد التنوخي ، عن عبدالرحمن ابن القاسم عن الإمام مالك بن أنس ، المدونة الكبرى ، كتاب الوصايا ، باب في إجازة الورثة للموصي أكثر من الثلث ، ج 6 ، ص 76 .
([48]) ينظر : البهوتي، كشاف القناع عن متن الإقناع، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997، ج 4، ص 345
([49]) ينظر : للتفصيل في هذا الخلاف الدقيق بين الصاحبين وتوجيه استدلال كل منهما بالقياس على العتق عند أبي يوسف ، والقياس على الهبة والصدقة عند محمد ، الكاساني، علاء الدين، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، بيروت ، دار الكتب العلمية ، ج6، ص219؛ والسرخسي ، شمس الدين، المبسوط، بيروت، دار المعرفة ، ج12، ص27 وص35؛ والمرغيناني ، علي بن أبي بكر، الهداية في شرح بداية المبتدي، بيروت ، دار إحياء التراث العربي ، ج3، ص14؛ وابن الهمام ، كمال الدين، فتح القدير، بيروت ، دار الفكر ، ج6، ص203.
([50]) ينظر : للمقارنة بين المذهبين : لبيان مذهب الإمام محمد في اشتراط القبض: الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ، ج6، ص219. ينظر : للتفصيل الدقيق في مذهب المالكية باشتراط “الحيازة” قبل حصول المانع ، كالموت أو المرض المخوف أو الفلس، لتمام الوقف، وأن الوقف يلزم عندهم بالقول : سحنون ، المدونة الكبرى ، ج4، ص425؛ والحطاب، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، بيروت ، دار الفكر ، ج6، ص21؛ والدردير، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ، بيروت ، دار الفكر ، ج4، ص76-77؛ وابن رشد ، بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، القاهرة ، دار الحديث ، ج 4، ص124.
([51]) ينظر : الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ، دار الكتب العلمية ، بيروت، 1986، ج 6 ، ص 222
([52]) ينظر : السرخسي، المبسوط، دار المعرفة، بيروت، 1993، ج 12، ص 38
سبق ذكره في السابق ص 25 . ([53] (
([54]) ينظر : ابن قدامة، المغني، مكتبة القاهرة، 1997، ج 8، ص 205
([55]) ينظر : الجوهري، إسماعيل بن حماد 1987. الصحاح في اللغة. ط. 4. دار العلم للملايين. ج 2، ص 480.
([56]) ينظر : البهوتي، منصور بن يونس. 1997 ، كشاف القناع عن متن الإقناع. دار الكتب العلمية. ج 4، ص 245-250..
([57]) سبق ذكره في السابق ص 25 ، بارودي، محمد أمين بن عبدالرزاق. 2020. تحول الوقف: دراسة فقهية مقارنة. مجلة وقف، ع1 ، 134 – 203.
([58]) ينظر : في حق الواقف في الفسخ والرجوع لكون الوقف عقداً جائزاً عند الإمام أبي حنيفة: السرخسي، شمس الدين، المبسوط، (بيروت: دار المعرفة ، 1993 ، ج12، ص27؛ والكاساني، علاء الدين، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، بيروت ، دار الكتب العلمية ، ج6، ص218.
([59]) ينظر : لبيان بطلان الإقالة في الوقف وعدم جواز التنازل عنه عند الجمهور والصاحبين: في الفقه الحنفي (مذهب الصاحبين): ابن الهمام ، فتح القدير، ج6، ص203؛ وعند المالكية : الدردير، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي، بيروت ، دار الفكر ، ج4، ص76؛ وعند الشافعية : ابن حجر الهيتمي، تحفة المحتاج بشرح المنهاج ، مصر ، المكتبة التجارية الكبرى ، ج6، ص240، والخطيب الشربيني، مغني المحتاج، ج2، ص376؛ وعند الحنابلة: ابن قدامة، المغني، ج8، ص185، والبهوتي، كشاف القناع، ج4، ص245.
([60]) ينظر : البيهقي، أحمد بن الحسين. 2003. السنن الكبرى. دار المعرفة. ج 6 ، ص 155-160.

