المجلد التاسع 2026الرابع والثلاثون

دور العقيدة في تحقيق وحدة المجتمع؛ نبذ التمييز العنصري أنموذجًا.

ملخص البحث

تناول هذا البحث الموسوم بـ: “دور العقيدة في تحقيق وحدة المجتمع؛ نبذ التمييز العنصري أنموذجًا، بيان الدور الذي لا يمكن تجاهله للعقيدة الإسلامية في بناء وحدة المجتمع وتماسكه؛ بقيامها على أسس راسخة على تحقيق العبودية لله، وربط الإنسانية بوحدة الأصل الواحد، وإظهار التمايز الخلقي على أنه من مظاهر إبداع الخالق، وحقوق الإنسان في العدل والحرية والمساواة والأمن الاجتماعي..

واعتمد البحث على عدد من المناهج العلمية: المنهج الوصفي في تعريف التمييز العنصري، والمنهج التحليلي في دراسة النصوص الشرعية ذات الصلة، والمنهج الاستنباطي لاستخراج أسس البناء العقدي المجتمعي.

وقد خلص البحث إلى أن للعقيدة دورًا أساسيا في بناء مجتمع متماسك؛ من خلال ترسيخ مبادئ العدل والمساواة، وإلغاء الفوارق القائمة على اللون، أو الأصل، أو العِرق، أو الجنس، كما تُسهم في تحويل التنوع البشري إلى عامل إثراء حضاري بدلًا من كونه سببًا للصراع كما فعل النبي محمد صلى الله عليه وسلم في المجتمع المدني. وأكدت النتائج أن غرس القيم العقدية الصحيحة يُعد من أهم الوسائل لمواجهة التمييز العنصري وتعزيز الوحدة المجتمعية.

ويوصي البحث بتفعيل دور المؤسسات التعليمية والدعوية في ترسيخ القيم العقدية المرتبطة بالعدالة والمساواة، وربطها بقضايا العصر بما يُسهم في بناء مجتمع متماسك يحفظ كرامة الإنسان ويعزز وحدة الصف وقوة المجتمع.

الكلمات المفتاحية: التمييز، العنصرية، المساواة، العقيدة.

Abstract

This study, entitled “The Role of Doctrine in Achieving Social Unity: The Case of Rejecting Racial Discrimination”, highlights the indispensable role of Islamic doctrine in building social cohesion. It has emphasized that such doctrine is founded on the worship of God, the unity of humanity from a single origin, recognition of moral diversity as a divine creation, and human rights encompassing justice, and social security.

The research has employed several scientific approaches: a descriptive method to define racial discrimination, an analytical method to examine relevant religious texts.

The study has concluded that doctrine plays a central role in creating a cohesive society by reinforcing justice and equality, eliminating disparities based on color, origin, ethnicity, or gender, and transforming human diversity into a source of cultural enrichment rather than conflict, as exemplified by the Prophet Muhammad (peace be upon him) in civil society. The findings assert that instilling correct doctrinal values is a key means of combating racial discrimination.

The study has recommended activating the role of educational and religious institutions in embedding doctrinal values related to justice and linking them to contemporary issues, thereby contributing to cohesive society that upholds human dignity communal solidarity.

Keywords: “Discrimination, Racism, Equality, Doctrine”

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين نبينا محمد المبعوث بخير رسالة وأكرم دعوة وأتم وأكمل دين، فجاءت رسالته كاملة متكاملة ختمت النبوات والرسالات، وحققت للبشرية ما تتطلع إليه من الحرية والكرامة، والعزة والسعادة.

وبعد؛

فإن العقيدة التي جاء بها الإسلام تشكل نظاماً متكاملاً للحياة البشرية بمختلف أطوارها وترسم الطريق لكلِّ جوانبها، كما أنها تنسجم مع الفطرة الاِنسانية وتضمن تحقيق نظام اجتماعي معتدل يمنح له كرامته، والعقيدة الإسلامية هي الأساس الذي تقوم عليه حياة المسلم فكرًا وسلوكًا، فهي منظومة إيمانية تُنظّم علاقة الإنسان بربه، وبنفسه، وبالآخرين، وتُرسِّخ في قلبه معاني العدل والمساواة، والكرامة الإنسانية. وإذا كانت وحدة المجتمع غايةً تسعى إليها كل أمة قوية، فإن العقيدة الصحيحة تمثل الركيزة الكبرى؛ لتحقيق هذه الوحدة.

ومن أهم القضايا والعلل الاجتماعية التي عانت وتعاني منها البشرية قضية التمييز العنصري بشتى أنواعه وأشكاله وصوره؛ فما من مجتمع قديم أو حديث قامت أركانه وأسسه على التمييز العنصري بين أفراده واستشرى فيه هذا الداء العضال، إلا ضعف ووهن وتقطعت أوصاله وتشعبت طرقه وتناحر أفراده وهدمت وحدته ونقض بنيانه . 

ولما كانت العقيدة هي الرباط القوي الذي يربط ويجمع النفوس والأرواح  قبل  الأبدان ، على اختلاف أماكنها وأزمانها وشعوبها وعروقها وألوانها  ؛ فيجتمع نسيجها في وحدة واحدة وبناء واحد، فيصير المتفرق مجتمِعا ، والعُود قويا ؛ والأساس متيناً صلباً متماسكاً.

وهنا تظهر أهمية العقيدة في بناء وحدة المجتمع والارتقاء به وعلاج العلل والأمراض الاجتماعية التي تؤثر على نموه وقوته.

وفي هذا البحث سأتناول الحديث عن دور العقيدة في تحقيق وحدة المجتمع ونبذ التمييز العنصري ووسمته بــــــ (دور العقيدة الإسلامية في تحقيق وحدة المجتمع – نبذ التمييز العنصري أنموذجا).

أهمية الموضوع:

تبرز أهمية هذا الموضوع في زمنٍ تتجدد فيه دعوات التعصب والتمييز على أساس العِرق أو اللون أو الانتماء، مما يهدد تماسك المجتمعات ويُضعف بنيانها. ومن هنا تتجلى الحاجة إلى بيان دور العقيدة في ترسيخ مبدأ المساواة، وتعزيز روح الأخوة، ونبذ كل أشكال التفرقة التي تمزق الصفوف.

وسيتم في هذا الموضوع إبراز الأسس العقدية التي تدعو إلى الوحدة؛ لتنتظم العلائق والروابط بها، وتتحدد الحقوق والواجبات. وبيان مظاهر رفض الإسلام للتمييز العنصري، وكيف عالجت العقيدة منذ نزولها هذا المرض الاجتماعي، وقضت عليه في أول مجتمع أسسه النبي -صلى الله عليه وسلم- ووضع أسسه وقواعده؛ ليكون أنموذجا للمجتمعات المسلمة من بعده.

مشكلة البحث:

من هذا المنطلق يمكن طرح السؤال الرئيس للبحث: 

ما دور العقيدة الإسلامية في تحقيق وحدة المجتمع ونبذ التمييز العنصري؟

 وتتفرع من هذا السؤال الرئيس أسئلة فرعية، منها:

س1: ما مفهوم التمييز العنصري؟

س2: ما هي أشكال التمييز العنصري قديما وحديثا؟

س3: ما هي آثار التمييز العنصري على الأفراد والمجتمعات؟

س4: ما دور العقيدة في تحقيق وحدة المجتمع؟

س5: كيف عالجت العقيدة الإسلامية ظاهرة التمييز العنصري نظريًا وتطبيقيًا؟

حدود البحث: 

يتجلى مجال البحث وحدوده في إبراز دور العقيدة الإسلامية في توحيد المجتمع وبناء أصوله على أسس قوية متماسكة وعلاج أهم أمراضه الاجتماعية التي تفرق أفراده وتهدم أركانه وتضعف بنيانه وهو التمييز والتفريق العنصري بين أفراده بأشكاله المتعددة: العرق، اللون، اللغة، الدين، الجنس، النسب.

 الدراسات السابقة:

-التمييز العنصري وأحکامه في الفقه الإسلامي (دراسة مقارنة)، المؤلف: محمد ممدوح شحاته خليل، الناشر: مجلة کلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالإسكندرية، 2018م.

-لجنة القضاء على التمييز العنصري، المؤلف: علاء قاعود، المكتبة القانونية، 2002م.

-التفرقة العنصرية، المؤلف: السيد محمد عاشور، مكتبة المهتدين، 1986م.

 ويظهر من عناوين هذه الدراسات أنها لم تتطرق لدور العقيدة في تحقيق وحدة المجتمع بنبذ التمييز العنصري، والذي سيكون مجال الدراسة في هذا البحث.

– أثر العقيدة الإسلامية في وحدة المجتمع ونبذ التعصب العنصري ، الباحث عبد الله محمد العتيبي ، رسالة ماجستير، الجامعة الإسلامية ، المدينة المنورة .

ويظهر من عنوان البحث -وإن لم أتمكن من الوصول إليه – أنه يتناول أثر العقيدة في نبذ التعصب العنصري الذي هو اتجاه أو موقف فكري قائم على التحيز لجماعة على غيرها. وهنا يظهر اختلافه عن موضوع هذا البحث  الذي يتناول -دور العقيدة  في وحدة المجتمع بنبذ التمييز العنصري بكافة أشكاله وصوره ، وهو سلوك أو ممارسة فعلية  غير عادلة في معاملة أفراد أو جماعات تؤدي في  نهاية المطاف إلى الظلم والتعدي  على حقوق الآخرين . 

منهج البحث:

اعتمد هذا البحث على مجموعة من المناهج العلمية المتكاملة التي تتناسب مع طبيعته العقدية وذلك على النحو الآتي:

1. المنهج الوصفي: استُخدم هذا المنهج في تعريف التمييز العنصري، مع بيان مظاهره وآثاره في الواقع الإنساني على الفرد والمجتمع.

2. المنهج التحليلي: اعتمد عليه البحث في تحليل النصوص الشرعية ذات الصلة بموضوع الدراسة، من القرآن الكريم والسنة النبوية، للكشف عن دلالاتها العقدية والاجتماعية، وبيان أثر العقيدة في توجيه السلوك الإنساني وترسيخ مبدأ المساواة ونبذ العصبية

3. المنهج الاستنباطي: تم توظيف هذا المنهج لاستخراج القواعد الكلية والمبادئ العامة التي تؤكدها النصوص الشرعية في مجال تحقيق وحدة المجتمع ونبذ التمييز العنصري بكافة أشكاله وصوره، واستنباط الأسس العقدية التي تقوم عليها قيم العدالة والمساواة الإنسانية..

خطة البحث:

جاء البحث في مقدمة ومبحثين، وخاتمة، وفهرس المصادر والمراجع..

وهو على النحو التالي:

 المبحث الأول: التعريف بالتمييز العنصري وآثاره على المجتمع، واندرج تحته ثلاث مطالب:

 المطلب الأول: التعريف بالتمييز العنصري.

المطلب الثاني: أشكال التمييز العنصري قديما وحديثا.

المطلب الثالث: آثار التمييز العنصري على المجتمع.

المبحث الثاني: دور العقيدة الإسلامية في نبذ التمييز العنصري، واندرج تحته مبحثان:

المطلب الأول: دور العقيدة في تحقيق وحدة المجتمع.

المطلب الثاني: دور العقيدة في نبذ التمييز العنصري.

الخاتمة وفيها أهم النتائج والتوصيات، ثم فهرس المصادر والمراجع.

وأسأل المولى عزوجل الإخلاص ثم القبول والتوفيق والسداد.

وصلى الله وسلم على عبده ورسوله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

المطلب الأول: التعريف بالتمييز العنصري.

أولًا: تعريف التمييز:

التمييز لغة:

لفظة “تمييز” مُشتقَّة من “ميز”، تقول مِزت بعضه من بعض فأنا أميزه ميزًا، وقد أماز بعضه من بعض، ومِزت الشيء أميزه ميزًا: عزلته وفرزته، وكذلك ميَّزته تمييزًا فانماز ميزًا، وميَّزه فصل بعضه من بعض، قال تعالى: ﵟلِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِﵞ [الأنفال:37]، وامتازوا: صاروا ناحية، قال تعالى: ﵟوَٱمۡتَٰزُواْ ٱلۡيَوۡمَ أَيُّهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٥٩ﵞ [يس:57]، أي تميَّزوا، وقيل: أي انفردوا عن المؤمنين. واستماز عن الشيء: تباعد عنه، وهو من ذلك. وفي حديث إبراهيم النخعي: استماز رجل عن رجل به بلاء فابتُلي به أي انفصل عنه وتباعد[1].

وهكذا نجد أن التميَّز في اللغة يعني عدة معانٍ، هي: 1/ العزل. 2/ الفرز. 3/ الانفراد. 4/ التباعد.

ثانيًا: العنصرية لغة:

 مصطلح العنصرية من المصطلحات العربية الحديثة، حيث لم يرد بهذه الصيغة في أيٍّ من المعاجم اللغوية القديمة، وإنما الذي ورد ما يُنتسَب إليه المصطلح، وهو كلمة “العنصَر” بفتح الصاد[2]، وهو الأفصح، وبضمها وهو الأشهر[3]وعليه تجري نسبة مصطلح العنصرية.

وقد وردت هذه الكلمة (العنصر) في المعاجم اللغوية بمعانٍ مختلفة[4]:

  • فالعنصر – بفتح الصاد وضمها -: الأصل، وما في معناه من الجنس والنسب، والحسب[5]، فيقال: فلان كريم العنصر والجنس، ويقال فلان من العنصر الآري، أو السامي. وعُنصُريّ مصدر صناعيّ من عُنْصُر: وهو من يتعصَّب لجنس أو شعب معيَّن “رجلٌ عنصريّ”[6].
  • المعنى الثاني: أصل المادة، وفي الكيمياء هو: مادة أولية لا يمكن تحليلها، كيماويًّا إلى ما هو أبسط منها، أو المادة التي تدخل في تكوين جسم ما، وعلى ذلك وقد جاء في الحديث: “هذا النيل والفرات عنصرهما”[7]، أي أصلها [8].

ومن خلال التعريف المعجمي لكلمة (العنصرية)، نجد أن لفظة عنصر والمشتق منها العنصرية تدل على الأصل والحسب، وهي جزء من العصبية وتندرج تحتها، ولكنها عصبية خاصة تتجه نحو الجنس ولا تكون إلا مذمومة، والفارق فيما أورده الدكتور أحمد مختار عمر هو أنه تعدَّى بها إلى اللون.

ثالثًا: التمييز العنصري اصطلاحًا:

وردت عدة تعريفات للتمييز العنصري من الناحية الاصطلاحية؛ وذلك حسب سياقه واستعماله، ومن تعاريفه التي تخدم المعنى المقصود في هذا البحث، يُذكر:

  1. التمييز العنصري هو: كل تفريق أو استثناء أو تفصيل مبني على الجنس أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو العِرق أو الدين أو اللغة [9].
  2. عقيدة تستند إلى أسطورة مناقضة للدين الحق والعلم الصحيح حول تفوُّق أو نقص هذه الأجناس أو تلك، محاولة بذلك تبرير السياسة العدوانية ضد الكائن البشري، التي تقوم على الاغتصاب والإرهاب والاستعباد.[10]
  3. نظام يُضفِي تفوُّقًا لجنس من الأجناس أو سلالة من السلالات البشرية على بقية الأجناس والسلالات.[11]
  4. محاولة الجماعات التي تمتلك النفوذ والقوة والسيطرة إبقاء وضعها المتميِّز على الجماعات المستضعفة، ولو أدَّى ذلك إلى استخدام أساليب القمع والعنف.[12]
  5. فكرة أو اعتقاد أو سلوك يقوم على التفضيل بين الناس أو شعور بالتفوُّق على الآخرين، تدعمه السلطة والقوة وتُبرزه صفات خاصة موجودة عند البعض، ومحروم منها الآخرون، كاللون والجنس والثروة والجاه.[13]
  6. وعُرف في القانون الدولي، بأنه: “أي تمييز، أو استثناء، أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق، أو اللون، أو النسب، أو الأصل القومي، ويستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلـة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية، أو التمتُّع بها أو ممارستها، على قدم المساواة في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو في أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامة.[14]


المطلب الثاني: أشكال التمييز العنصري قديمًا وحديثًا:

اتخذ التمييز العنصري أشكالًا عديدة على مرِّ العصور والأزمان، وأبرز الأشكال قديمًا وحديثًا هي:

1-التمييز على أساس العنصر أو العرق: يُعَد التمييز العنصري على أساس العرق أحد أهم أنواع التمييز بين البشر، وهو التمييز المبني على الاعتقاد بوجود جماعة من الناس تنتمي أو تنتسب إلى أصل واحد أو عِرق واحد، له مُميِّزات وصفات لا تتميَّز ولا تتصف بها الجماعات الإنسانية الأخرى، وهذه الصفات العرقية التكوينية تُعطي أفضلية اجتماعية أو قانونية لمنتسبي هذه الجماعة على حساب منتسبي الجماعات الأخرى؛ فهم يعتقدون أن أصلهم، وعرقهم، يختلف عن أصول الآخرين، وعروقهم؛ مثل تمييز العرق الآري على باقي الأعراق البشرية الأخرى[15]، ومثل تفضيل  اليونانيين  لأنفسهم معتبرين كل شعوب العالم عداهم برابرة منحطِّين، وقد قام فيلسوفهم  أرسطو  بتقسيم البشرية إلى فصيلتين: فصيلة زوّدت بالعقل والإرادة وهم اليونانيون، وفصيلة لم تزوّد إلا بالجسم وهم الآلات التي يستخدمها اليونانيون ويسخِّروهم لخدمتهم.[16]

2- التمييز على أساس اللون[17]: وهذا التمييز مبني على اعتبار مجموعة بشرية تحمل نفس لون البشرة نفسها، أفضل من المجموعات الأخرى المغايرة لها في اللون ممَّا يخلق لديها شعورًا بضرورة تمييزها في المعاملة، واكتساب الحقوق والحريات، ويخلق لديها شعورًا بأنها أعلى، والنظر إلى غيرها بالدونية وفق اعتباراتها. وهذا التمييز كان الأكثر انتشارًا في أمريكا؛ حيث كانت التفرقة الواضحة بين الملوّنين والبيض؛ فقُسّم المجتمع إلى 4 أقسام بحسب لون بشرتهم فالقسم الأعلى هم [18] الأوربيون المولودون في أمريكا من أبوين أوروبيَّيَن، ثم يليهم في الترتيب من يحملون عرقًا أوروبيًّا في أصولهم، ثم الهنود الحمر، ثم السود[19].

3– التمييز على أساس الجنس (النوع الاجتماعي)[20]: التمييز على أساس الجنس أو النوع الاجتماعي؛ يُعد من أقدم أنواع التمييز العنصري؛ حيث إن النساء على مر التأريخ كُنّ يُحرَمْن من حقوقهنّ الإنسانية، فلم يكنّ يتمتَّعْن بأية حقوق سواء كانت اجتماعية أم ثقافية فضلًا عن السياسية والمدنية؛ فقد كانت المرأة في اليهودية والنصرانية هي أصل الخطيئة وأصل كل الشرور؛ فهي من أغوت آدم بالأكل من الشجرة وكانت السبب في إخراجه من الجنة؛ لذا فقد أنزلوا العقوبة عليها في كتابهم المقدَّس بالحمل والولادة[21] وجعلوها نجسة في أيام عذرها، وكل ما يحتكُّ بها يحتاج إلى تطهير من ملابس أو أوانٍ أو أمكنة أو حتى من يلمسها من أشخاص، فكل ما تمسُّه أو يمسُّها ينجس[22]. بل لقد أنزلتها الكنيسة في أحد مجامعها لدرجة الحيوانية فوصفوها في مجمع رومة أنها حيوان لا روح لها ولا خلود، وظلت كذلك إلى أن منحها مؤتمر فرنسا عام 586م حقها الإنساني مرة أخرى لكنها في مرتبة دونية، وأنها خُلِقَت لخدمة الرجل فقط. ولم تكن المرأة أوفر حظًّا في جزيرة العرب بالرغم من أن لها مكانة في بعض القبائل، فإنها لم تحظ به في كثير منها؛ فقد حُرِمَت حق الحياة فكانوا يئدون بناتهن خشية العار، ومن تُترَك حية لا يحق لها أن ترث بل كانت تُورَث كما يُورَث المتاع؛ لدرجة أن أبناء زوجها يحق لهم أن يرثوها فيتزوجها أو يزوجوها لمن شاءوا، ولم يكن لها حق في اختيار شريك حياتها ولا في مهرها فقد كان من حق الأب، وكان للزوج عليها سلطة واسعة يُطلِّقها بأي عدد شاء ثم يراجعها، وقد يُحرِّمها على نفسه ويجعلها مُعلَّقة.[23]

4- التمييز على أساس اللغة: تُعتبَر اللغة من أهم وسائل التفاهم والاحتكاك بين أفراد المجتمع في جميع ميادين الحياة، ومن دون اللغة يتعذَّر استمرار الحياة على النمط المعرفي والترقِّي نحو الأمام، وهي الوسيلة الوحيدة التي يستطيع الإنسان أن يترجم بها ما في داخل ذهنه وعقله من أفكار ومعلومات إلى العالم والواقع العملي، وقد تم اعتماد اللغة لتصنيف الأجناس البشرية في الدولة الواحدة، ولا يتم اعتماد إلا لغة واحدة وتكون هي اللغة الرسمية في البلاد. وفي الدول المستعمرة سُلِبَت اللغات الأصلية من الشعوب وأُبدِلَت بها لغة المستعمر.

5- التمييز على أساس الدين: ويُطلَق عليه العنصرية الدينية أو التعصب الديني ويكون على أساس الدين، أو على أساس المعتقد، وهو من أشد أنواع العنصرية؛ لأنه يتعلَّق مباشرة بالعقيدة والحياة الأخروية الأبدية -لدى الكثيرين من معتنقي الأديان- ، وله عمق كبير في نفس الإنسان على وجه عام، وله تأثير كبير على المتدينين على نحو خاص، فالكثير منهم يمارسون هذا التمييز كجزء من عقيدتهم وتدينهم، ويرون أفضليته في عداوات الآخرين، وهذه حقيقة واقعية داخل كثير من الديانات، سواء كانت سماوية أم وضعية، فالديانة اليهودية على سبيل المثال قامت باستغلال المعتقدات الدينية اليهودية القائلة بأنهم شعب الله المختار بناءً على نص توراتي يقول: (لأَنَّكَ شَعْبٌ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ، وَقَدِ اخْتَارَكَ الرَّبُّ لِكَيْ تَكُونَ لَهُ شَعْبًا خَاصًّا فَوْقَ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ)[24] فبناءً على هذا النص أطلق اليهود على أنفسهم تسمية (عم قادوش) أي الشعب المقدَّس، و(عم عولام) أي الشعب الأزلي[25]. وجاء في التلمود: (أنه لو لم يُخلَق اليهود لانعدمت البركة من الأرض، ولما خُلِقَت الأمطار والشمس، ولما أمكن باقي المخلوقات أن تعيش، والفرق بين درجة الإنسان والحيوان هو بقدر الفرق الموجود بين اليهود وباقي الشعوب).[26] كما جاء أيضًا: (أن الإسرائيلي مُعتَبر عند الله أكثر من الملائكة ، فإذا ضرب أُممي إسرائيليًّا فكأنه ضرب العزة الإلهية).[27] ويقول أيضًا: (اقتل الصالح من غير الإسرائيليين، ومحرَّم على اليهودي أن ينجي أحدًا -من باقي الأمم- من هلاك، أو يُخرجه من حفرة يقع فيها؛ لأنه بذلك يكون حفظ حياة أحد الوثنيين).[28]وغير هذا من النص كثير في كتبهم؛ ممَّا يدل على أنهم بمجرد كونهم من المنتمين إلى الديانة اليهودية أفضل من كل البشرية. وأطلقوا على ما سواهم من البشرية أُمَمِيين يجوز قتلهم واستباحة أموالهم ودمائهم وأراضيهم.

وكذلك نجد التمييز العنصري القائم على أساس الدين في الديانة الهندوسية؛ حيث قسَّم الإله كما يزعمون المجتمع إلى أربع طبقات كما ورد في قوانين مانو: فالبراهمة يحتلون الطبقة الأولى وهؤلاء خَلَقَهم الإله من فَمِه ولهم لا إلى سواهم تُقدَّم القرابين، ويشغلون منصب المعلم والكاهن والقاضي، وهم صفوة الخلق ومنهم من ألحَقَهم بالآلهة، وتليهم طبقة الكاشتر وهم الذين خَلَقَهم الإله من ذراعيه وهؤلاء يشغلون منصب الجنود ويحق لهم التعليم وتقديم القرابين. وفي الطبقة الثالثة الويش: وهم الذين خُلِقُوا من فخذ الإله كما يزعمون وجُعِلَت لهم الزراعة والتجارة وجمع المال لإنفاقه على المعاهد الدينية. والطبقة الأخيرة هي طبقة الشودر: الذين خُلِقُوا من رِجْل الإله وهم الطبقة المنبوذة المقهورة التي لا يحق لها أي عمل أو تعليم سوى الِمهَن الحقيرة الوضيعة وخدمة مَن هُم أعلى منهم من الطبقات، وإذا تجرَّأ أحدهم -ولو دفاعًا عن نفسه- بمد يده أو عصا على برهمي قُطِعَت يده، وإذا ضربه بقدمه قُطِعَت، ومن كان في طبقة لا يستطيع الترقي إلى الطبقة الأعلى مهما اكتسب من مال أو جاه.[29]

6- التمييز على أساس النسب: التفاخر بالأنساب من أهم الأسباب التي مايز الناس بها أنفسهم، والنسب والنسبة: هي أصل القرابة، وقيل هو في الآباء خاصة.[30]وقد كان للنسب عند العرب شأن كبير ولا سيما عربي البادية، فعلى النسب تقوم حقوق الإنسان فنسبه هو الذي يحميه ويحافظ على حقوقه ويردع الظالم عنه ويأخذ حق المظلوم منه.[31] ومن ذلك ما كان من قوم شعيب عليه السلام؛ حيث تعذَّروا بترك قتله لمكانة قبيلته وقوة نسبه فقد كان في منعة من قومه، ويدل على ذلك قال تعالى: ﵟ وَلَوۡلَا رَهۡطُكَ لَرَجَمۡنَٰكَﵞ [هود: 91]. [32] ولم يكن الاهتمام بالأنساب أمرًا قاصرًا على العرب؛ بل إننا نجد الاهتمام بالروابط النسبيَّة والأسَرية سائدًا لدى غيرهم من الأمم كالهيلين والرومان والفرس، وكذلك الهنود والأوربيون الذين انتموا إلى أجدادهم واحتموا بهم وتعصَّبوا لهم ونسبوا أنفسهم إليهم. وفي التوراة وخصوصًا سِفر التكوين نجد كثيرًا من الأمثلة على الأنساب للأنبياء والشعوب على مدى أجيال، وهذه النسبة هي التي عزَّزت لديهم مفهوم النقاء العنصري.[33]

هذا وليس المراد ألا ينتسب الإنسان إلى عرقه أو عشيرته، بل ذلك من المفاخر الممدوحة إن لم يكن على سبيل التعصُّب الباطل، وبدافع العنصرية، وإثارة الفتنة بين الناس؛ فالإنسان مفطور على حُبِّ أسرته، وقبيلته، وبلاده، وكل ذلك أمر طبيعي. وإنما المذموم العصبية الجاهلية بالتفاخر بالأنساب التي تؤدي إلى التمييز على أساس العنصرية.

7- التمييز على أساس الثروة والمكانة الاجتماعية (التمييز الطبقي): التمييز العنصري بسبب المكانة الاجتماعية هي شكل من أشكال العنصرية التي يتم التمايز فيها بمعاملة الأفراد بشكل غير عادل أو سلبي؛ بناء على مكانتهم الاجتماعية أو الطبقة التي ينتمون إليها، فيُحرَمون من العديد من الحقوق الأساسية كالتعليم أو الصحة، أو تكون فرص حصولهم عليها محدودة؛ ومن الأمثلة على ذلك رفض قوم نوح عليه السلام قبول دعوته والإيمان بالله؛ بحجة أن المتَّبعين له هم من الطبقة السفلى من المجتمع، كما جاء في محكم التنزيل في قصته مع قومه أنهم  قالوا له ﵟ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۭﵞ [هود: 27]. وكذلك لما بعث الله عزوجل نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-، ما أشرك به قريش ومَن حولهم مِن القبائل إلا بحجة أنهم طمعوا في أن يكون المبعوث إليهم من أعظم الرجال قدرًا ومكانة، فقالوا: ﵟوَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنَ ٱلۡقَرۡيَتَيۡنِ عَظِيمٍ 31ﵞ [الزخرف: 31]. مع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان من خيرة قبائل قريش، لكنه لم يكن غنيًّا.

المطلب الثالث: آثار التمييز العنصري على المجتمع.

للتمييز العنصري آثار ونتائج سلبية تظهر على الأفراد والمجتمعات يمكن تصنيفها على النحو التالي:

الآثار النفسية:

يُولِّد التمييز العنصري آثارًا نفسية عميقة على الأفراد الذين يتعرَّضون لها حيث يشعرون بالدونية والتهميش؛ ممَّا يؤدِّي بهم إلى مشكلات نفسية مثل الاكتئاب والقلق والانطواء على النفس وعلى الجماعة التي ينتمي إليها. كما أن ذلك يؤدِّي بهم إلى كراهية وبغض أولئك الذين يتمايزون عليهم. والرغبة الجامحة في إلحاق الضرر بهم، وهذه الكراهية والبغضاء هي النار والوقود والسلاح التي فتك بها أو بسببها أعداء البشر ضحاياهم وأبادوهم؛ لِما تختزنه نفوسهم من شرور وآثام أشعلتها الكراهية بسبب العِرق أو الدين أو اللون، وبالمقابل فإن الذين يمارسون العنصرية على ضحاياهم يتولَّد في أنفسهم نوع من الاستعلاء والازدراء للآخرين؛ فينظرون إليهم نظرة دونية فلا يتعاملون معهم ويترفَّعون عن التعامل معهم.[34]

الآثار الاجتماعية:

تؤدِّي العنصرية إلى تفكُّك النسيج الاجتماعي نتيجة الصراعات والنزاعات بين أفراده بسبب تعصُّب كل جماعة أو طائفة بأفكارها ومعتقداتها؛ فينتج عن ذلك كثير من الأضرار والخسائر البشرية والمالية، وقطع العلاقات بين الأطراف المتنازعة كما يسود الظلم وتشيع الجريمة بأشكالها المتعددة من قتل وسرقة وغيرها. ومن الآثار الاجتماعية كذلك ضياع ثقافات الأقليات لعدم احترامها وحرمانهم من حرية أدائها والتعبير عنها.[35]

الآثار الاقتصادية:

يتسبَّب التمييز العنصري في عدم تكافؤ الفرص بين أفراد المجتمع، فالمجتمعات التي تعاني تمييزًا عنصريًّا تعاني من إمكانيات محدودة في الحصول على العمل، وأحيانًا تفاوتا في قيمة الأجور ممَّا يساهم في انتشار الفقر وعدم المساواة الاقتصادية مع الفئات الأخرى في المجتمع. كما يؤدِّي إلى انعدام التنمية المحلية وكذلك اعتماد المؤسسات على أفراد دون آخرين، لأسباب عنصرية يفقد المجتمع الاستفادة من الكفاءات المتنوِّعة ويُقلِّل من الابتكار والإنتاجية[36].

الآثار التربوية:

يُنشئ التمييز العنصري آثارًا سلبية تفتك بالعملية التعليمية والتربوية؛ حيث يُدرج التنميط العنصري في المواد التعليمية ممَّا يؤدِّي إلى تقبُّل الأطفال للعنصرية كقاعدة أو حقيقة راسخة. ويقتل الدافعية للتعلُّم لدى الأطفال الذين يُمارَس ضدَّهم التمييز العنصري. وقد تُحرَم فئة منهم من التعليم فينشأ الجهل والتخلُّف الذي يترتَّب عليه الفساد الأخلاقي والمجتمعي.[37]

المبحث الثاني: دور العقيدة في تحقيق وحدة المجتمع ونبذ التمييز العنصري.

المطلب الأول: دور العقيدة في تحقيق وحدة المجتمع.

بُعِثَ الرسول -صلى الله عليه وسلم- وفي المجتمع العربي الجاهلي تراكمات وثنية عقائدية وسلوكيات مجتمعية مقيتة؛ من ظلم واستبداد وتعدٍّ على حقوق الآخرين وعصبية قِبَلية قامت بسببها حروب أفنَتْ بها أجيالًا وشعوبًا. فجاء الإسلام ووضع علاجًا شافيًا لهذه الأدواء المجتمعية التي فَتَكت بالشعوب والمجتمعات وأقام القواعد والأسس الصحيحة القويمة، التي تُمكِّن من بناء أمة مُتوحِّدة جديدة ترتقي بإنسانيتها ومُثلِها نحو القيم السامية، وكما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «‌إنما ‌بُعِثْت ‌لأتمِّمَ صالح الأخلاق»[38]، ومن أهم الأسس والمرتكزات التي قام عليها البناء العقدي المجتمعي ما يلي:

الأساس الأول: تحقيق العبودية لله وحده.

جاء الإسلام لينقض حكم وألوهية الأقوياء الذين يدَّعون الألوهية أو أنصافها، ويمارسون على الشعوب كل ما تُمليه مصالحهم الشخصية الأنانية من اضطهاد وظلم واسترقاق وعبودية، فقرر أولًا أن لا إله سوى الله وجميع البشر مخلوقون من قِبِله مربوبون له. وهذا الشعار الذي يُعتبَر الركيزة الأولى من ركائز العقيدة الإسلامية لم يترك مجالًا لأحد من البشر أن يستعبد غيره؛ فالإيمان بوحدانية الله ينفي كافة الأشكال الاستعبادية بين البشر ويجعل المسلم ملزمًا بتحقيق المساواة والعدالة بينه وبين ما سِواه من الناس. كما أن الإيمان يستلزم التخلُّص النهائي من الشعور بالفوقية والذاتية الأنانية، ويُحرِّر النفوس من الإذلال والانكسار للمخلوقين أيًّا كانوا، ولقد اختار الله سبحانه وتعالى نبيَّنا محمد -صلى الله عليه وسلم- ليكون نبيًّا ورسولًا وختم به الرسالة، ومع ذلك فقد وصفه بالعبودية في أكثر من موضع في كتابه العزيز؛ ومنها قوله تعالى: ﵟسُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُﵞ [الإسراء: 1]. وهذا الوصف له بالعبودية ينفي أي ادِّعاء لبشر مهما بلغت منزلته ملكًا كان أم رئيسًا قائدًا أم كان فرعونًا أن يستعبد غيره من البشر.[39]

الأساس الثاني: الوحدة الإنسانية.

وصل الإسلام الإنسانية كلها بأوثق وأمتن الروابط والصلات؛ إذ إن جميع البشر أسرة واحدة انبثقت من أصل واحد أب واحد وأم واحدة؛ كما قال تعالى: ﵟيَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗﵞ [النساء: 1] فهذه الآية بيَّنت بوضوح الأصل الذي صدرت منه البشرية وهو آدم وزوجته حواء عليهما السلام، وأن الرابط الذي يجمع الناس على اختلاف ألوانهم ولغاتهم إنما هو رحم واحد ووشيجة واحدة. وقد تكرَّرت هذه الحقيقة مرات عديدة في كتاب الله تعالى؛ منها قوله تعالى: ﵟوَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ فَمُسۡتَقَرّٞ وَمُسۡتَوۡدَعٞۗ ﵞ [الأنعام: 98]، وقوله: ﵟخَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا ﵞ [الزمر: 6]، وتذكير الناس بهذه الحقيقة ليدركوا أن الله يقصد من وراء ذلك تعليمهم بأنهم متساوون في الخلق والنشأة وذلك كفيل بإلغاء التمييز العنصري، يقول الرازي: “أن ‌الناس ‌إذا ‌عَرَفوا ‌كون ‌الكل ‌من ‌شخص ‌واحد تركوا المفاخرة والتكبُّر وأظهروا التواضع وحسن الخُلُق”[40]. وبالعود إلى الآية نجد الله -سبحانه وتعالى- ابتدأ الخطاب بقوله (أيها الناس) فنجده خطابًا عامًّا ليشمل جنس الإنسان كله فلم يخص جنسًا أو عرقًا أو بلدًا؛ بل شمل كل الجنس البشري باختلاف عقائدهم، ومذاهبهم رجالًا ونساءً، شيوخًا وأطفالًا. ولو كان الخطاب القرآني مخصَّصًا لكان ذلك حُجَّة لبعضهم وتدخُّلًا في تصوُّر التمييز العنصري.[41]

الأساس الثالث: التمايز الخُلقي مظهر من مظاهر إبداع الخالق وعظمته.

أكَّد الدين الإسلامي على أن التمايز الخُلقي في الألوان والألسنة آيات دالة على عظمة الخالق وقدرته وبديع صنعه، قال تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ ﴾ [الروم: 22]، فقَرَنَ الله عزَّ وجلَّ بين خَلْق السماوات والأرض وإيجادهما بتقدير ونظام بديع مع اختلاف الألوان والألسنة عند البشر؛ ليبيِّن أن هذا الاختلاف هو اختلاف دال على قدرته وعظمته؛ يقول القرطبي في تفسير الآية: “(وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ) اللسان في الفم، وفيه اختلاف اللغات: من العربية والعجمية والتركية والرومية. واختلاف الألوان في الصور: من البياض والسواد والحمرة، فلا تكاد ترى أحدًا إلا وأنت تُفرِّق بينه وبين الآخر. وليس هذه الأشياء من فعل النطفة ولا من فعل الأبوين، فلا بد من فاعل، فعلم أن الفاعل هو الله تعالى، فهذا من أدل دليل على المدبر البارئ”[42]. وهذه الآية تدل على عظمة الخالق سبحانه وتعالى؛ فهذه الألسن واختلافها هذا الاختلاف العظيم منشأها أب واحد وأم واحدة؛ وكذلك الألوان حيث لا نكاد نجد اثنين متفقين في اللون أبدًا حتى إن اتحدا في البويضة. وكذلك أورد الله عزَّ وجل في موضع آخر من كتابه منبِّهًا على كمال قدرته في خلقه الأشياء المتنوِّعة المختلفة من الشيء الواحد؛ حيث ينزل الماء من السماء، فيُخرِج به ثمرات مختلفًا ألوانها مع تنوُّع ألوانها وطعومها وروائحها، وخلق الجبال كذلك مختلفة الألوان، وكذلك البشر والحيوانات[43] فقال: ﵟأَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٖ مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهَاۚ وَمِنَ ٱلۡجِبَالِ جُدَدُۢ بِيضٞ وَحُمۡرٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٞ 27 وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مُخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ كَذَٰلِكَﵞ [فاطر: 27-28].

ومِمَّا سبق يتضح لنا أن اختلاف الألوان والألسنة مظهر من أدلة الخلق في الأنفس واقترانها بالأدلة الكونية كالسماوات والأرض، وتمثيلها بالنبات الذي يُسقَى بماء واحد فيخرج مختلف الألوان والطعوم، يدل دلالة واضحة على أن ليس في هذا التمايز الخُلقي أفضلية للون دون آخر ولا لغة دون لغة أخرى؛ فالكل في الخلق سواء.

الأساس الرابع: حقوق الإنسان في العقيدة الإسلامية.

يُبيِّن الله عز وجل في كتابه الكريم ما للإنسان من حقوق تحفظ له الكرامة التي منحها له وكرَّمه بها. وأمر بحفظ تلك الحقوق التي تُحقِّق الحياة الكريمة والسعادة لكافة البشرية، ومن تلك الحقوق التي عالجت قضية التمييز العنصري.

1/ حق العدل:

أمر الله سبحانه وتعالى بالعدل بين الناس وفقًا لشرعه، والآيات القرآنية والأحاديث النبوية كلها تأمر بالعدل بين الناس بكل أشكالهم وأجناسهم وتنهى عن الظلم بكل أشكاله؛ قال تعالى: ﵟإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَﵞ [النحل: 90] ، وقال تعالى:ﵟيَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَﵞ [النساء: 135] 

وقال في الحديث القدسي: (يَا عِبَادِي ‌إِنِّي ‌حَرَّمْتُ ‌الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا)[44]

فالعدل عدل عام لجميع البشر ذكرهم وأنثاهم، حُرُّهم وعبدهم، تقيّهم وفاجرهم، كبيرهم وصغيرهم، غنيهم وفقيرهم، سيدهم وسفيههم، لكلٍّ منهم حقه العادل في ميزان الدين الإسلامي. وفي تطبيقه -صلى الله عليه وسلم- خير مثال وشاهد فحينما شفع أعيان قريش في إعفاء المرأة المخزومية من حدِّ السرقة، غضب الرسول -صلى الله عليه وسلم- غضبًا شديدًا، وخطب فيهم فكان ممَّا قال: (إنما أُهلِك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، ‌وإذا ‌سرق ‌فيهم ‌الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)[45]. فضرب المثل بأعز شخص لقلبه وهي ابنته فأخبر أنه سيكون عادلًا في قضائه ولو كانت ابنته.

وهكذا نجد أن العدل هو أساس المجتمع الإسلامي القويم، وبه تتحقَّق كرامة الإنسان، وتُحفَظ حقوقه في المجتمع دون تمييز بين طبقة وأخرى أو جنس وعرق ولون. وإذا تحقَّق ذلك ساد السلام في المجتمعات البشرية وعمَّت الطمأنينة، وازدهرت بالعمل المثمر الذي يسهم في رقيِّها وتقدُّمها.

2/ حق الحرية:

لقد جاء الدين الإسلامي لتحقيق حرية الإنسان بإخراجه من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الحياة إلى سعتها، ومن الذل والهوان إلى الكرامة والعزة في الدنيا والسعادة والنعيم في الآخرة. لذا فإن الدين الإسلامي مَنَحَ للناس حُرِّيات كثيرة لكنه لم يترك هذه الحريات على إطلاقها، بل جعلها مؤطَّرة بحدود وضوابط حتى لا يضر الإنسان نفسه ولا يتعدى على حرية أخيه الإنسان تحت ستار الحرية. وخير مثال على ذلك ما مثَّل به نبينا -صلى الله عليه وسلم- في الالتزام بأوامر الله؛ حيث إنها تحفظ للجميع حقوقهم وحرياتهم دون إضرار فيقول: (‌مَثَلُ ‌الْقَائِمِ ‌عَلَى ‌حُدُودِ ‌اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا).[46]

ففي المثال النبوي السابق يتضح لنا أن الحرية في الدين الإسلامي مُقيَّدة بضوابط حتى يستفيد منها الفرد والمجتمع، وقد جعل الشارع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سلطانًا مهيمنًا لتحقيق الحرية للفرد والمجتمع وإقامة مجتمع مثالي: ﵟكُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِﵞ [آل عمران: 110] 

ومن الحريات التي منحها الدين الإسلامي لبني آدم حرية النفس بأن يكون الإنسان غير مملوك لأحد لا في نفسه ولا بلده ولا في قومه وأمته، فهو متساوٍ مع قومه ومجتمعه وفي إنسانيته الحرة؛ وهذا يُسقِط كل استعلاء مزعوم لنفس دون أخرى بأي سلطة أو تمييز مزعوم فلا مزية لعرق دون عرق ولا طبقة دون أخرى، فالجميع متساوون سلطانًا ومحكومًا، غنيًّا وفقيرًا، أكثرية وأقلية، ويصدق ذلك قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عندما اعتدى محمد بن عمرو بن العاص على الشاب المصري معتدًّا بسلطانه ومنزلة والده، فاقتص عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- للمصري وقال مقولته المشهورة: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟”[47]

3/ حق المساواة:

ساوى الدين الإسلامي بين جميع الناس في طبيعتهم البشرية، وإن اختلفوا في الجنس والشكل واللون والعرق واللغة، فلا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، قال تعالى: ﵟيَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ ﵞ [الحجرات: 13] ،فالآية تُوضِّح على أن ما يجعل الأفضلية لإنسان دون غيره تقواه وامتثاله لجميع ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال؛ سواء كانت لربه أم لأهله ومجتمعه. كما تشير الآية في قوله (خلقناكم) إلى أن هذا الاختلاف إنما هو من خلق الله سبحانه وتعالى وليس من اختيار الإنسان؛ فلا وجه للتفاضل بأمر ليس للإنسان دخل فيه ولا كسب ولا قدرة.

فإذا تحقَّق ذلك أصبح المعيار الوحيد هو المعيار الذي وضعه المولى سبحانه وتعالى للتفاضل وهو التقوى، وهذا ما أكَّده النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- في خطبته في أيام التشريق وأدًا للتمييز العنصري والعصبية القبلية، وليؤكِّد للناس أن هذا الدين جاء جامعًا لا مفرِّقًا وداعمًا للمحبة والخير بين الناس؛ حيث قال: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ‌أَلَا ‌إِنَّ ‌رَبَّكُمْ ‌وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى”.[48] والأمر بالمساواة لا يتعارض مع إعطاء كل ذي قدر قدره في الدين الإسلامي وذلك في التعامل العادي لا في الحقوق؛ فقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بإنزال الناس منازلهم[49].

كما ساوى الدين الإسلامي بين المسلمين وغير المسلمين في الحقوق المدنية وشؤون المسؤولية وفي الجزاء والحقوق العامة. قال تعالى: ﵟإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِ ﵞ [النساء: 58]. 

وساوى كذلك بين الرجل والمرأة إلا ما خصَّ به كلًّا منهما بما يتلاءم مع طبيعتهما البشرية. فساوى بينهما في الأعمال وقبولها ومجازاتهما عليها، وقد ورد ذلك في أكثر من موضع في كتاب الله عز وجل منها قوله تعالى: ﵟمَنۡ عَمِلَ سَيِّئَةٗ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَاۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ يُرۡزَقُونَ فِيهَا بِغَيۡرِ حِسَابٖﵞ [غافر: 40]. وقال: ﵟفَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖﵞ [آل عمران: 195]. وغيرها من النصوص التي تؤكِّد على المساواة بين البشرية ذكورًا كانوا أم إناثًا، وعدم الأفضلية بينهما إلا بالتقوى والعمل الصالح.

4/ حق الأمن الاجتماعي:

ومن الحقوق التي منحها الدين الإسلامي لبني الإنسان؛ لتحقيق الكرامة الإنسانية، والاستقرار المجتمعي والازدهار الحضاري، الأمن الاجتماعي الذي يتمثَّل بالتكافل والتعاون بين أفراد المجتمع الواحد؛ فبدأ بأول لبنة في المجتمع وهي الأسرة، فنشر فيها الألفة والمودة والمحبة وأوصى الرجل بزوجته والزوجة بزوجها وأوجب عليهما حقوقًا لكلٍّ منهما، ولأبنائهما، ثم حثَّ على صلة ذوي القربى وأمَرَ بالإحسان إليهم وبرهم والإنفاق عليهم، وأعطى على ذلك ثوابًا وافرًا وخيرًا ممتدًّا في الدنيا والآخرة ليرغب فيها.

 وكذلك أمر بالإحسان إلى الجار والمسكين والفقير، وأن يكف المرء آذاه بلسانه ويده عن إخوته في الإسلام فلا يؤذيهم ولا يروِّعهم ولا يتبع عوراتهم، وأن لا يدخل البيوت إلا بإذن أصحابها وأن يؤدِّي الأمانة وأن لا يخون حتَّى ولو كان الشخص خائنًا له، وأمره أن يعود المريض ويُعين ذا الشيبة فجعل المسلمين كلهم إخوة تربطهم رابطة وشيجة وعميقة هي رابطة الدين والرحمة الإنسانية، قال صلى الله عليه وسلم: “‌مَثَلُ ‌الْمُؤْمِنِينَ ‌فِي ‌تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ

وَالْحُمَّى”.[50] وقال: “‌الْمُسْلِمُ ‌مَنْ ‌سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ”[51].

وبهذه الحقوق والنُّظُم الاجتماعية حقَّق الدين الإسلامي معنى التكافل والتعاون في إطار المجتمع الإسلامي، ونشر لواء الأمن والطمأنينة والمساواة في النفس والأسرة البشرية والمجتمعية؛ فلا طبقية ولا تعامل مختلف لفئة دون أخرى؛ فالرحمة والتعامل بالحسنى والسعي لقضاء حوائج الناس والتفريج عنهم رغبة في الثواب والأجر هو الباعث والمنطلق.

المطلب الثاني: دور العقيدة في نبذ التمييز العنصري.

اهتمَّت العقيدة الإسلامية اهتمامًا بيِّنًا بنبذ التمييز العنصري وجزّ جذوره من المجتمع المسلم، وتطبيق مبدأي العدل والمساواة في جميع أفراد المجتمع بغض النظر عن الجنس أو اللون أو الدين، واتبعت في ذلك المنهج الرباني القويم الذي يصلح الأفراد والمجتمعات بما يتلاءم مع الطبيعية البشرية التي خلقها الله عز وجل، وفيما يلي سنذكر أبرز المظاهر التي تجلَّى فيها هذا المنهج الرباني القويم.

المظهر الأول: تشريع العبادات المناهضة للتمييز العنصري.

لم يكتفِ الدين الإسلامي بتحريم العنصرية وكل ما يؤدِّي إليها من قول أو عمل، بل وضع عبادات عملية تُقرِّر العدل والمساواة الحقة، ومن أبرز هذه العبادات وأهمها فريضة الصلاة التي يؤدِّيها المسلمون خمس مرات في اليوم يجتمعون، ويجتمعون كذلك في صلاة الجمعة والعيدين، وهم يقفون خلف الإمام صفًّا يليه صف دون تخصيص لفئة على أخرى؛ فالصف الأول حق من يُبكِّر في الحضور ويقفون أكتافهم متلاحمة وأقدامهم متلاصقة، لا فرق بينهم ولا فضل لأحدهم على آخر؛ الحاكم بجوار المحكوم والغني إلى جانب الفقير والأبيض يجاور الأسود وعالي القوم بجوار المستضعف من قومه؛ الكل في هذا الموقف أمام الله سواء، الكل يرجو عفو ربه ويطمع في مرضاته، فهم مع تفاوت حظوظ الدنيا بينهم، يدركون أن ذلك من قبيل الابتلاء لا التفضيل. ويدعوهم إلى هذه العبادة الجليلة مؤذِّن ينبغي أن يكون من خيار الناس، وقد اختار النبي -صلى الله عليه وسلم- لهذه الوظيفة مِن أول تشريعها الصحابي الجليل بلال بن رباح الحبشي -رضي الله عنه-، وقد كان عبدًا لأمية بن خلف فلمَّا أسلم آذوه أذًى شديدًا إلى أن اشتراه أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- وأعتقه، فكان عمر -رضي الله عنه- مع منزلته في قريش يقول عنه: “أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا. يعني بلالًا”[52]. وكان بلال حسن الصوت فعيَّنه الرسول، فكأن أول من أذَّنَ، ثم كان يُؤذِّن لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- مدة حياته، وعندما فتح الرسول -صلى الله عليه وسلم- مكة أمره أن يؤذِّن على ظهر الكعبة، فكان صوته أول صوت ارتفع فوقها بالأذان، وبهذا كان صوت بلال الحبشي هو أول صوت ارتفع فوق المسجدين الحرام والنبوي أقدس المساجد عند المسلمين[53]. صاهرًا أي تفرقة وتمييز عنصري.

وهذا المعنى في فريضة الحج أظهر وأبين فهو يُجسِّد رابطة الإخوة والمساواة بين المسلمين من شتى أطراف الأرض، ويجمع العرب والعجم والأغنياء والفقراء والكبار والصغار، متخطين فوارق اللون والجنس والقومية والفوقية؛ فتجدهم يهتفون بهتاف واحد ويلهجون بتلبية واحدة هي تلبية التوحيد الخالص، يقفون على صعيد واحد في عرفات في يوم واحد ووقت واحد متضرعين مستغفرين راجين رحمة الرحيم الرحمن، وقد كانت قريش لا تقف على عرفات مع تعظيمها لأمر الحج فيقفون في طرف الحرم عند أدنى الحِلّ، ويقولون: نحن أهل الله في بلدته وقُطّان بيته[54]. فأمرهم الله عز وجلَّ بالوقوف مع جميع المسلمين دون تمييز لهم عن بقية المسلمين قال تعالى: ﵟثُمَّ أَفِيضُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ ﵞ [البقرة: 199]، وعند الغروب ينفرون سوية إلى مزدلفة في مواكب مهيبة يكسوهم البياض وفي يوم النحر يتقربون جميعًا لرب واحد بالذبح. فهذه الفريضة العظيمة تُعزِّز المودة والرحمة بين المسلمين والتعارف والتآلف وتزيل الحواجز بينهم فكلهم سواسية كأسنان المشط.

المظهر الثاني: تحريم الصفات التي تُورِث التمييز العنصري.

عمل الدين الإسلامي عملًا جادًّا لمحاربة التمييز العنصري والوسائل المؤدِّية إليه، ومن ذلك الصفات التي تُورثه وتُعزِّزه في النفوس البشرية وتُفرِّق بين أفراد المجتمع، ومن أهم تلك الصفات، صفتان هما:

1)الكِبر والاستعلاء.

الكِبر والاستعلاء هو أصل كل الأخلاق المذمومة وهو السبب الرئيس في امتناع إبليس لأمر ربه والسجود لآدم عليه السلام، وقوله: ﵟأَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖﵞ [الأعراف: 12]، وسبب خروجه من الجنة وإيجاب اللعنة عليه إلى قيام الساعة، والكِبر هو: “أَن يتعظَّم على غَيره أَنَفَة مِنْهُ واحتقارًا لَهُ.”[55] فالكِبر هو أهم خُلُق يدعو إلى التمييز العنصري؛ لأنه خلق منشاؤه احتقار الغير وازدراؤهم واستغفارهم؛ ومن ثمَّ استشعار العُلو والفوقية عليهم بلا مبرر ولا سبب سوى الكِبر النابع من أنفسهم؛ وذلك مصداقًا لتفسير النبي صلى الله عليه وسلم للكِبر؛ حيث قال: «‌الْكِبْرُ ‌بَطَرُ ‌الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ»[56]. أي إنكار الحق ورفضه واحتقار الناس، وقد نهى الله عز وجلَّ عن الكِبر في كتابه العزيز، حينما نهى عنه الدين الإسلامي وبيَّن خطره؛ حيث إنه يُلجئ صاحبه إلى إنكار الحق واحتقار الناس. ويؤدِّي بصاحبه إلى خسران دنياه وآخرته كما أودى بإبليس وفرعون وقومه الذين استكبروا، فنهاهم استكبارهم عن قبول الحق من موسى عليه السلام واحتقار بني إسرائيل واستعبادهم.

2)الحسد:

يُعَد الحسد أيضًا من أمَّهات الصفات المذمومة حتى أمر الله بالاستعاذة من شره؛ فقال: ﵟوَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَﵞ [الفلق: 5] التي تقود بصاحبها في الغالب إلى التمييز العنصري؛ فالحسد دائمًا يدعو إلى المنافسة السيئة أو غير الشريفة، فأول ذنب عُصِيَ الله به في الأرض هو حسد ابن آدم لأخيه حتى قتله، فقد ظنَّ بنفسه أنه خير من أخيه؛ فلما رأى أنه مقبول عند الله تعالى وأفضل منه نأى به فقتله.

وكذلك إبليس -لعنه الله- لم يرضَ أن يكون آدم عليه السلام أفضل منه وأن تسجد له الملائكة، ورأى أن في خلقته النارية أفضلية على الخلقة الطينية لآدم عليه السلام؛ فرفض السجود له ثم أغواه للأكل من الشجرة حتى يُنزَله من منزلته ومكانته، وكل ما صدر منه لا يُفسَّر إلا بخصلة الحسد الواقرة في قلبه. ومن الأمثلة على ذلك أيضًا يهود المدينة عندما رفضوا دعوة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وهم يعلمون علم اليقين أنه نبيٌّ مُرسَل من ربه، وما منعهم من قبول دعوته إلا حسدًا من عند أنفسهم كونه عربيًّا قرشيًّا ولم يكن يهوديًّا مثلهم. وقريش وساداتها الذين أبَوا اتباعه والإيمان مع يقينهم بصدقه إلا كون قبيلته حازت شرفًا لم يستطيعوا أن ينالوه، رُوي: أن أبا جهل وجماعة معه وفيهم الأخنس بن شريق، وأبو سفيان، استمعوا قراءة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الليل، فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا (أو تحاذينا) على الركَب وكُنَّا كفرسي رهان، قالوا: منَّا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك هذا؟ والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدِّقه.[57]

وهكذا نجد أن هناك تلازمًا بين الحسد والتمييز العنصري؛ فالممارس لهذا التمييز العنصري لا يرض ويأنف أن يكون الطرف الآخر الذي تُمارَس بحقه العنصرية المقيتة أفضلية أو تفوق يميِّزه عليه.

المظهر الثالث: ذم العصبية القبلية والتفاخر بالأنساب.

العصبية مأخوذة في اللغة من (العَصْبِ) وهو: الطَّي والشَّد. والعَصَبَة: الأقارب من جهة الأب، سُمُّوا عصبة لأنهم عُصبوا بنسَبِه، والعُصْبَة والعِصَابة: الجماعة. ومنه {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} الآية[58].

والعصبية في الاصطلاح: “أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبته والتألُّب معهم، على من يناوئهم ظالمين كانوا أو مظلومين”[59]. فالعصبية إذًا تتمحور حول الاجتماع والتناصر سواء كان على حق أم كان على باطل.

أما القبليّة فهي نسبة إلى القَبِيْلَة (والقبيلة من الناس: بنو أب واحد. وعليه فإن العصبية القبلية هي: تناصر وتحالف قوم تجمعهم آصرة النسب ونصرة بعضهم بعضًا، ظالمين أو مظلومين ضد من يناوئهم.

وقد كان للعصبية القبلية قوة وسطوة على المجتمع الجاهلي وتأثير إيجابي وسلبي، فمن تأثيرها الإيجابي نصرة أبي طالب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومنعته له من قومه، مع استمراره على دين آبائه، بالرغم من محاولات قريش لاستمالته إليهم، وطلبهم في أن يخلي بينهم وبينه، فإنه لم يكفَّ عن نصرته، بل ودعا بني هاشم وبني المطلب لنصرته -عليه الصلاة والسلام-، فاجتمعوا إليه، وقاموا معه، حتى إنهم حُبسوا معه وحوصروا في شعب أبي طالب لمدة ثلاث سنوات[60].

ومن تأثيرها الإيجابي أيضًا إسلام حمزة بن عبد المطلب -رضي الله عنه- في السنة السادسة للبعثة كان بسبب نصرة ابن أخيه؛ لأن أبا جهل اعترض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند الصفا؛ فآذاه وشتمه وعاب دينه، فذُكِر ذلك لحمزة بن عبد المطلب، فأقبل نحوه، حتَّى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها ضربة شجَّه منها شجة منكرة. وقال حمزة نصرة لابن أخيه ولم يؤمن حينها قد استبان لي منه ما أشهد أنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأن الذي يقول حق، فامنعوني إن كنتم صادقين. ثم ذهب إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وأعلن اسلامه، فما إن أسلم حتى عزَّ الإسلام وامتنع، وكفوا آذاهم عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-[61].

وأمَّا ما يتعلق بتأثيرها السلبي فقد كانت القبيلة هي الدستور والشرع الذي يقود المجتمع، ويرتبط أفرادها بها برابطة تقوم على أساس وحدة الدم ووحدة الجماعة، وكان لزامًا على أفرادها الانقياد والطاعة لأوامرها وتشريعاتها ونصرة بعضهم بعضًا؛ سواء كانوا مظلومين أم ظالمين، فقامت بينهم حروب طاحنة استمرت سنواتٍ مديدة، قُتِل فيها كثير من الأبرياء. وفي كثير من هذه الحروب يكون سبب القتال حقيرًا وغير ذي شأن؛ كحرب البسوس التي قامت بسبب ناقة قُتِلت ودامت أربعين سنة؛ وكذلك حرب داحس والغبراء التي كان سبب النزاع فيها سباق خيل أفنت فيها هذه القبائل شبابها ورجالها وعِدتها وعتادها[62].

فجاء الإسلام وأبطل هذه العصبية القبلية الجاهلية ونقل الشعوب من حكم القبيلة وشرعها الفاسد إلى حكم الله عز وجلَّ ودستوره القويم وحكمه العادل. فقرَّر حقيقة أن المؤمنين كلهم إخوة تحت راية الدين الإسلامي وعقيدة واحدة هي عقيدة التوحيد ؛ لا فرق بين أسود وأبيض وعبد وشريف ولا بين قبيلة وأخرى، كلهم سواسية وإخوة؛ فقال تعالى: ﵟإِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ ﵞ [الحجرات: 10] ، وأمر بالاجتماع تحت راية دينه فقال: ﵟوَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚﵞ [آل عمران: 103] ، وبين أن الإيمان والعمل الصالح هو الذي يرفع وينفع صاحبه يوم القيامة وليس المكانة والجاه؛ إذ لا شرف إلا بالإيمان والعمل الصالح كما قال تعالى: ﵟوَمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُم بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمۡ عِندَنَا زُلۡفَىٰٓ إِلَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَزَآءُ ٱلضِّعۡفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمۡ فِي ٱلۡغُرُفَٰتِ ءَامِنُونَﵞ [سبأ: 37] ، وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ»، قال النووي رحمه الله: “مَعْنَاهُ: مَنْ كَانَ عَمَله نَاقِصًا، لَمْ يُلْحِقهُ بِمَرْتَبَةِ أَصْحَاب الْأَعْمَال، فَيَنْبَغِي أَلَّا يَتَّكِل عَلَى شَرَف النَّسَب، وَفَضِيلَة الْآبَاء، وَيُقَصِّر فِي الْعَمَل”. بل إن هذه الروابط تنقطع يوم القيامة ولن يكون لها نفع، قال تعالى: ﵟفَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلَآ أَنسَابَ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ 101 فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ 102 وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فِي جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَﵞ [المؤمنون: 101-103].

وقد ترجم الرسول -صلى الله عليه وسلم- ذلك واقعًا عمليًّا في المجتمع الإسلامي الذي أقامه بالمدينة؛ فآخى بين المهاجرين والأنصار ومن ذلك مؤاخاته بين عمه حمزة وزيد بن حارثة -مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم-، وبلال مولى أبي بكر -رضي الله عنهما-، مؤذِّن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأبو رويحة عبد الله الخثعمي، وعمار مولى بني مخزوم وحذيفة بن اليمان من بني عبد الأشهل[63]. وكانت هذه المؤاخاة صلة حقيقية تعدل رابطة الدم. ولقد أقام الصحابة هذه الإخوة وعملوا بها وأسقطوا ما عداها من علاقات فقاتلوا يوم بدر أنسبائهم في الدم فمنهم من قتل أباه ، ومنهم من قتل أخاه ومنهم من قتل رجالًا من قبيلته؛ فأنزل الله فيهم: ﵟلَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنۡهُﵞ [المجادلة: 22]، ومن تطبيقه -صلى الله عليه وسلم- لمبدأ المساوة ونزع العصبية القبلية توجيه الصحابة لتعليم القرآن من سالم مولى أبي حذيفة ضمن الأربعة الذين أمر بالاستقراء منهم، وقد كان سالم يَؤُم المهاجرين الأولين من الصحابة في مسجد قباء ومنهم أبو بكر وعمر وأبو سلمة -رضي الله عنهم- وغيرهم[64].

ولما عيَّر أبو ذر -رضي الله عنه- بلال الحبشي -رضي الله عنه- وقال له: (يا ابن السوداء)، أنكر عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وعاتبه فقال: (يا أبا ذر، ‌أعيَّرته ‌بأمه، إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم)[65]. أي: ما زال فيك خصلة من خصال الجاهلية؛ من التفاخر بالأحساب، والطعن في الأنساب.

وفي غزوة بني المصطلق تنازع رجلان من المسلمين أحدهما من الأنصار والثاني من المهاجرين؛ فنادى كل منهما بمستجيره؛ فقال المهاجر: يا لَلمهاجرين، وقال الأنصاري يا لَلأنصار؛ فغضب النبي -صلى الله عليه وسلم- ونهى عن ذلك بل ونفر منها؛ فقال: (‌ما ‌بال ‌دعوى ‌الجاهلية؟ … دعوها فإنها مُنتِنة)[66]. فمع أن لفظ المهاجرين والأنصار ورد في الكتاب والسنة وامتدح الله أصحابها المنتسبين إليها ولكنهم لما دعوا بها تعصُّبًا قوميًّا ذمها الرسول -صلى الله عليه وسلم- ونهى عنها.

ومن هذا يتبيَّن لنا أن العصبية القبلية والتفاخر بالأنساب، إن كان على سبيل الحمية الجاهلية والنصرة؛ ظالمًا كان أم مظلومًا منهي عنه شرعًا؛ لأن ليس هناك أي تفضيل أو تمييز لجنس على جنس أو قبيلة وأخرى، الكل سواء وأن هذه الأنساب والأحساب لا تنفع صاحبها، ولا تُغنِي عنهم من الله شيئًا وأن الفضل لا يكون إلا بالدين والعمل الصالح.

الخاتمة:

وختامًا، أحمد الله تعالى أن وفَّقني لكتابة هذا البحث وأعانني على إتمامه فله الحمد والمنة، وقد خلص هذا البحث إلى نتائج؛ من أهمها:

  1. أن للتمييز العنصري تعريفات شتى قائمة على صور التفرقة التي قامت في المجتمعات قديمًا وحديثًا.
  2. اتخذ التمييز العنصري عدة أشكال في المجتمعات البشرية، وكان له نفس التأثير السلبي على مر الأزمنة في تفكيك تماسك المجتمعات وإثارة النزاعات والخلافات بين الأفراد والجماعات والشعوب.
  3. تصدَّى الدين الإسلامي لمختلف أنواع التمييز العنصري، ودعا إلى العدل والمساواة بين البشر.
  4. للتمييز العنصري آثار ونتائج سلبية عدة؛ منها ما هو عائد على الأفراد ومنها ما هو عائد على المجتمعات، وقد بيَّنت الدراسة بعضًا من آثارها النفسية والاجتماعية والاقتصادية وكذلك التربوية.
  5. وضع الدين الإسلامي ركائز وحدة المجتمع بترسيخ مبدأ الوحدة الإنسانية، وبيان أن الاختلاف والتمايز الخَلقي هو مظهر من مظاهر إبداع الخالق وعظمته. وأن الغاية من الاختلاف هو التعارف والتعايش بين الناس.
  6. عالج الدين الإسلامي قضية التمييز العنصري بمنح الإنسان عدة حقوق؛ منها حق العدل والمساواة والأمن الاجتماعي بما يُحقِّق له حياة كريمة لا تمييز فيها ولا إسفاف لحقوقه وإنسانيته، مع حدِّها بضوابط تضمن تحقيق ذلك.
  7. أكَّد الدين الإسلامي على أن معيار التفاضل هو الإيمان والعمل الصالح.
  8. وضع الدين الإسلامي تشريعات عملية تُقرِّر العدل والمساواة الحقة بين أبناء الأمة الواحدة وتزيل أدران التمييز والفوقية؛ ومن ذلك فريضتا الصلاة والحج.
  9. حارب الدين الإسلامي أمهات الصفات المذمومة التي تؤدِّي إلى التمييز العنصري؛ ومنها الكِبر والاستعلاء والحسد.
  10. تجلَّت العدالة والمساواة في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته من بعده؛ حيث ساوى المجتمع الإسلامي الجديد بين كل فئات المجتمع باختلاف أعراقهم وطبقاتهم.
  11. بيَّنت الدراسة كيف عمل الدين الإسلامي على سدِّ كل باب من أبواب الفرقة والاختلاف؛ ومن ذلك نبذ العصبية القبلية والتفاخر بالأنساب، وعمد إلى زرع معاني الحب والولاء والعدل والمساواة؛ فآخى بين المهاجرين والأنصار ورفع من منزلة الموالي وساوى بينهم وبين أسيادهم في المرتبة الدينية وفي المهام والوظائف.

 ومن توصيات البحث:

  1. تعزيز التربية العقدية الصحيحة في المناهج التعليمية بمختلف مراحلها، مع التركيز على قيم المساواة الإنسانية، وأن التفاضل بين الناس يقوم على التقوى والعمل الصالح لا على اللون أو العِرق أو النسب.
  2. تفعيل دور المؤسسات الدينية في نشر الخطاب الوسطي الذي يؤكد وحدة الأصل الإنساني، مستندًا إلى قوله تعالى: ﵟهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَجَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا لِيَسۡكُنَ إِلَيۡهَاۖﵞ [الأعراف: 189].
  3. الاقتداء بالنموذج النبوي في نبذ التمييز العنصري، كما تجلّى في فعل النبي ﷺ بإرساء مبدأ الأخوة بين المسلمين بمختلف أصولهم وأعراقهم، مثل مؤاخاته بين المهاجرين والأنصار، وتكريمه لـبلال بن رباح رضي الله عنه.
  4. سنّ وتفعيل التشريعات الرادعة للتمييز العنصري داخل المجتمعات، بما ينسجم مع المبادئ العقدية التي تؤكد الكرامة الإنسانية لكل فرد.
  5. ربط القيم العقدية بالتطبيق العملي في الحياة اليومية، بحيث تتحول مبادئ وأسس العقيدة إلى سلوكيات واقعية في التعاملات الاجتماعية.


المصادر والمراجع:

  1. إبراهيم مصطفى، أحمد الزيات، حامد عبد القادر، محمد النجار، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، دار الدعوة.
  2. ابن المبرد الحنبلي، يوسف بن حسن بن أحمد، محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ت: عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية.
  3. ابن حنبل ، أحمد بن حنبل ، مسند الإمام أحمد بن حنبل ، تحقيق : شعيب الأرنؤوط وآخرون ، مؤسسة الرسالة ، ط1 ، 1421ه – 2001م.
  4. ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي، زاد المعاد في هَدي خير العباد، تحقيق: شعيب الأرنؤوط – عبد القادر الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت – لبنان، ط1، 1417 هـ – 1996 م.
  5. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، المحقِّق: حكمت بن بشير بن ياسين، الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع – السعودية، ط1، 1431 هـ.
  6. ابن منظور، محمد بن مكرم بن علي، لسان العرب، دار صادر: بيروت، ط 3، 1414هـ.
  7. أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي، جامع المسانيد والسُّنَن الهادي لأقوم سَنَن، تحقيق: عبد الملك بن عبد الله الدهيش، دار خضر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان، ط2، 1419 هـ – 1998 م.
  8. أبو الفداء، إسماعيل بن كثير، السيرة النبوية من البداية والنهاية، تحقيق: د. مصطفى عبد الواحد، عيسى البابي الحلبي، القاهرة، 1395 هـ – 1976 م.
  9. أبو شوشة، يوسف، مشكلات معاصرة، دار العدوي، عمان، ۱۹۸۲م.
  10. أبو عبد الله، محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية – القاهرة، ط2، 1384 هـ – 1964 م.
  11. الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، وبموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2106ألف د-20/المؤرَّخ في 21كانون الأول/ديسمبر1965.
  12. الألباني ، محمد ناصر الدين ، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها ، الناشر: مكتبة المعارف ، الرياض، ط1 ، 1415ه – 1995م.
  13. الألباني ، محمد ناصر الدين ، ضعيف الجامع الصغير ( وزيادته : الفتح الكبير ) .
  14. الباش، حسن، زحف العنصرية ومواجهة الإسلام، دار قتيبة- دمشق، ط1، 1415ه-1994م.
  15. البخاري ، محمد بن إسماعيل ، صحيح البخاري ، تحقيق : جماعة من العلماء ، بيروت: دار طوق النجاة ، ط1 ، 1422ه.
  16. برو، توفيق، تاريخ العرب القديم، دار الفكر، ط2، 1412-2001م.
  17. بطرس البستاني، محيط المحيط، مؤسسة الجواد للطباعة – بيروت، 1977 م.
  18. البغوي ، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفرَّاء الشافعي، معالم التنزيل في تفسير القرآن، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي -بيروت، ط1، 1420 هـ.
  19. البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين، دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط1، 1405 هـ – 1985 م.
  20. جبران مسعود، الرائد، دار العلم للملايين – بيروت، ط 7، 1992م.
  21. جواد علي، المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام، دار الساقي، ط4، 1422هـ/ 2001م.
  22. الجوهري، إسماعيل بن حمّاد، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، دار العلم للملايين، بيروت، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، 1990م.
  23. حسن محمد خوشناو، سياميك جعفر زاده، رضا نيكخواه سر نقي، التمييز العنصري وأسبابه في ضوء الشريعة الإسلامية والاتفاقات الدولية، مجلة الكلية الإسلامية الجامعة، العدد (67).
  24. الدمشقي، عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم، مقاصد الرعاية لحقوق الله عزَّ وجل، تحقيق: إياد خالد الطباع، دار الفكر – دمشق، ط1، 1416هـ – 1995م.
  25. الرازي ، أحمد بن فارس بن زكريا القزويني ، أبو الحسين، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: دار الفكر، (1399هـ / 1979 م)، (4 / 370).
  26. الرازي ، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي ، زين الدين أبو عبد الله، مختار الصحاح، تحقيق: يوسف الشيخ محمد، الناشر: المكتبة العصرية – الدار النموذجية، بيروت، ط 5، (1420هـ / 1999م).
  27. الرازي، محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي، مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي – بيروت، ط3، 1420 هـ.
  28. الزبيدي، محمد بن محمد عبد الرزاق الحسيني، تاج العروس من جواهر القاموس، دار الهداية، بدون سنة نشر.
  29. الزغيبي، أحمد بن إبراهيم، العنصرية اليهودية وأثرها في المجتمع الإسلامي، والموقف منها، ط1، مكتبة العبيكان السعودية، ۱۹۹۸م.
  30. السجستاني ، أبو داود ،سليمان بن الأشعث ، سنن أبي داود ، دار الرسالة العالمية ،ط1 ، 1430ه – 2009م.
  31. الشرقاوي، محمد عبد الله، الكنز المرصود في فضائح التلمود، مكتبة الوعي الإسلامي.
  32. شلبي، أحمد، أديان الهند الكبرى، مكتبة النهضة المصرية- القاهرة، ط11، 2000م.
  33. شمس الدين، محمد جعفر، المرأة بين الجاهلية والإسلام الأسوة والقدوة، دار الهادي، ط1، 1429هـ -2008م،
  34. شُهبة، محمد بن محمد، السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة، دار القلم – (دمشق، بيروت)، ط2، 1412 هـ – 1992 م.
  35. صديق، إبراهيم بن محمد، تميُّز الإسلام في إرساء العدل ونبذ العنصرية “كلكم من آدم”، مركز سلف للبحوث والدراسات، أوراق علمية (170).
  36. عاشور، السيد محمد، التفرقة العنصرية، (د. ط)، مكتبة المهتدين، 1986م.
  37. عبابنة، محمد مصلح ثلجي، العنصرية وعلاجها من منظور إسلامي، رسالة ماجستير، جامعة اليرموك، الأردن، ۲۰۰٤م.
  38. عبد الله، معتز سعيد، التعصُّب دراسة نفسية اجتماعية، دار غريب للطباعة والنشر-القاهرة، ط2، 1417ه-1997م.
  39. العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة – بيروت، 1379هـ.
  40. عمر، أحمد مختار عبد الحميد، معجم اللغة العربية المعاصرة، عالم الكتب، ط1، 1429 هـ – 2008 م.
  41. الفيروز آبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1407هـ – 1987م.
  42. الكتاب المقدس ، الناشر: دار الكتاب المقدس ، مصر ، ط2 ،2003م .
  43. كوماس، جوان، خرافات عن الأجناس، ترجمة: محمد رياض، مراجعة محمد عوض محمد، مؤسسة هنداوي، 2016م.
  44. الكيالي، إحسان سامي، العنصرية اليهودية، تونس، ١٩٧٦م.
  45. محمد، سعد صادق، المرأة بين الجاهلية والإسلام، دعوة الحق، إدارة الصحافة والنشر برابطة العالم الإسلامي، عام 1988م، ص14-20.
  46. المعافري، عبد الملك بن هشام بن أيوب، السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق: مصطفى السقا – إبراهيم الأبياري – عبد الحفيظ شلبي، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، ط2، 1375 هـ – 1955 م.
  47. مقال: العنصرية: أسبابها، آثارها الخطيرة، وحلول فعالة لمجتمع متسامح. https://www.annajah.net/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%86%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9-article-24532
  48. النيسابوري ، مسلم بن الحجاج ، صحيح مسلم ،تحقيق : محمد فؤاد عبدالباقي ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، 1374ه – 1955م.
  49. وافي، علي عبد الواحد، الأسرة والمجتمع، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه، 1364ه،1945م، ص34.
  50. يوسف نصر الله، الكنز المرصود في قواعد التلمود، دمشق، دار القلم، ط2، 1999م.

فهرس الموضوعات

المقدمة 3

المطلب الأول: التعريف بالتمييز العنصري. 7

المطلب الثاني: أشكال التمييز العنصري قديمًا وحديثًا: 10

المطلب الثالث: آثار التمييز العنصري على المجتمع. 15

المبحث الثاني: دور العقيدة في تحقيق وحدة المجتمع ونبذ التمييز العنصري. 17

المطلب الثاني: دور العقيدة في نبذ التمييز العنصري. 24

الخاتمة: 30

المصادر والمراجع: 32


[1]انظر: الزبيدي، محمد بن محمد عبد الرزاق الحسيني، تاج العروس من جواهر القاموس، الناشر: دار الهداية، دون سنة نشر، (15 / 341). وابن منظور، محمد بن مكرم بن علي، لسان العرب، دار صادر: بيروت، ط 3،1414هـ، (5 / 412). وإبراهيم مصطفى، أحمد الزيات، حامد عبد القادر، محمد النجار، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة- دار الدعوة (2 / 893).

[2]بطرس البستاني، محيط المحيط، مؤسسة الجواد للطباعة – بيروت، طبعة 1977 م، ص 637.

وجبران مسعود، الرائد، دار العلم للملايين – بيروت، طبعة 7: (1992م)، 566.

[3] لسان العرب (4 / 611)، تاج العروس (3 / 407 – 427).

[4]من معاني العنصر: الداهية، الحاجة.

[5] انظر: لسان العرب (4 / 63)، ومحمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي الرازي، زين الدين أبو عبد الله، مختار الصحاح، تحقيق: يوسف الشيخ محمد، الناشر: المكتبة العصرية – الدار النموذجية، بيروت، ط 5، (1420هـ / 1999م)، (2 / 750). وأحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي، أبو الحسين، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: دار الفكر، (1399هـ / 1979 م)، (4 / 370).

[6] عمر، أحمد مختار عبد الحميد، معجم اللغة العربية المعاصرة، عالم الكتب، ط1، 1429 هـ – 2008 م، ج2، ص ١٥٦٣.

[7] رواه البخاري كتاب التوحيد، باب قوله “وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا”، حديث رقم: (6963)، (23 / 38)، والحديث جزء من حديث الإسراء والمعراج.

[8]العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة – بيروت، 1379هـ، (1 / 160).

[9] عاشور، السيد محمد، التفرقة العنصرية، (د. ط)، مكتبة المهتدين، 1986م، ص 6.

[10] الزغيبي، أحمد بن إبراهيم، العنصرية اليهودية وأثرها في المجتمع الإسلامي، والموقف منها، ط1، مكتبة العبيكان السعودية، ۱۹۹۸م، (1/60).

[11] الكيالي، إحسان سامي، العنصرية اليهودية، تونس،١٩٧٦م، ص١٦.

[12] أبو شوشة، يوسف، مشكلات معاصرة، دار العدوي، عمان، ۱۹۸۲م، ص40.

[13] عبابنة، محمد مصلح ثلجي، العنصرية وعلاجها من منظور إسلامي، رسالة ماجستير، جامعة اليرموك، الأردن، ۲۰۰٤م، ص11.

[14] الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، وبموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2106ألف د-20/المؤرَّخ في 21كانون الأول/ديسمبر1965.

[15]  قام بذلك هتلر الذي حكم ألمانيا النازية، حيث قال في كتابه كفاحي: “كان الآري ولم يزل حامل المشعل الإلهي الذي يُنير الطريق أمام البشر، فشرارة العبقرية الإلهية انطلقت من جيشه المشرق، وهو الذي فتح دروب المعرفة أمام الإنسان؛ ليجعل منه سيد الكائنات الحية على هذه الأرض. فإذا توارى الآري سيسود الظلام، وتنهار الحضارة البشرية في بضعة قرون. انظر: “هتلر، أدولف، كفاحي، منشورات المكتبة الأهلية، بيروت، ص99.

[16] وافي، علي عبد الواحد، الأسرة والمجتمع، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه، 1364ه،1945م، ص34.

[17] اللون هو صفة الجسم من السواد والبياض والحُمرة.

[18] أطلق عليهم ذلك تمييزًا لهم عن الأوروبيين المهاجرين المولودين في دول أوروبية.

[19] كوماس، جوان، خرافات عن الأجناس، ترجمة: محمد رياض، مراجعة محمد عوض محمد، مؤسسة هنداوي، 2016م، ص9-10.

[20] يُقصَد بالجنس هنا التقسيم البيولوجي للجنس البشري بناءً على التكوين العضوي الخاص الذي يُميِّز الذكر من الأنثى.

[21] سفر التكوين (3: 1-17)

[22] سفر اللاويين (15: 19-29) “وإذا حاضت المرأة فسبعة أيام تكون في طمثها، وكل من يلمسها يكون نجسًا إلى المساء. كل ما تنام عليه في أثناء حيضها أو تجلس عليه يكون نجسًا، وكل من يلمس فراشها يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجسًا إلى المساء. وكل من مسَّ متاعًا تجلس عليه، يغسل ثيابه ويستحم بماء، ويكون نجسًا إلى المساء. وكل من يلمس شيئًا كان موجودًا على الفراش أو على المتاع الذي تجلس عليه يكون نجسًا إلى المساء. وإن عاشرها رجل وأصابه شيء من طمثها، يكون نجسًا سبعة أيام. وكل فراش ينام عليه يصبح نجسًا. إذا نزف دم امرأة فترة طويلة في غير أوان طمثها، أو استمر الحيض بعد موعده، تكون كل أيام نزفها نجسة كما في أثناء طمثها. كل ما تنام عليه في أثناء نزفها يكون نجسًا كفراش طمثها، وكل ما تجلس عليه من متاع يكون نجسًا كنجاسة طمثها. وأي شخص يلمسهن يكون نجسًا، فيغسل ثيابه ويستحم بماء، ويكون نجسًا إلى المساء. وإذا برئت من نزفها فلتمكث سبعة أيام ثم تطهر، وفي اليوم الثامن تجيء بيمامتين أو فرخي حمام إلى الكاهن إلى مدخل خيمة الاجتماع.

[23] انظر: محمد، سعد صادق، المرأة بين الجاهلية والإسلام، دعوة الحق، إدارة الصحافة والنشر برابطة العالم الإسلامي، عام 1988م، ص14-20. وانظر: شمس الدين، محمد جعفر، المرأة بين الجاهلية والإسلام الأسوة والقدوة، دار الهادي، ط1، 1429هـ -2008م، ص20.

[24] سفر التثنية (2:14).

[25] انظر: حسن محمد خوشناو، سياميك جعفر زاده، رضا نيكخواه سر نقي، التمييز العنصري وأسبابه في ضوء الشريعة الإسلامية والاتفاقات الدولية، مجلة الكلية الإسلامية الجامعة، العدد (67)، الجزء (2)، ص275.

[26] محمد عبد الله الشرقاوي، الكنز المرصود في فضائح التلمود، مكتبة الوعي الإسلامي، ص200.

[27] المصدر السابق.

[28] يوسف نصر الله، الكنز المرصود في قواعد التلمود، دمشق، دار القلم، ط2، 1999م، ص90.

[29] انظر: شلبي، أحمد، أديان الهند الكبرى، مكتبة النهضة المصرية- القاهرة، ط11، 2000م، (54-59).

[30] انظر: لسان العرب، مصدر سابق، (1، 755).

[31] انظر: جواد علي، المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام، دار الساقي، ط4، 1422هـ/ 2001م، (2، 117).

[32] انظر: أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي، معالم التنزيل في تفسير القرآن، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي -بيروت، ط1، 1420 هـ، (2، 463).

[33] انظر: المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام، مصدر سابق، (2، 118).

[34] انظر: عبد الله، معتز سعيد، التعصُّب دراسة نفسية اجتماعية، دار غريب للطباعة والنشر- القاهرة، ط2، 1417ه-1997م، ص469.

[35] انظر: عبابنة، محمد مصلح ثلجي، العنصرية وعلاجها من منظور تربوي إسلامي، رسالة ماجستير، ص (71-72).

[36] انظر: مقال: العنصرية: أسبابها، آثارها الخطيرة، وحلول فعالة لمجتمع متسامح.

[37] انظر: العنصرية وعلاجها من منظور تربوي إسلامي، مصدر سابق، ص73.

[38] أخرجه البخاري في الأدب المفرد، رقم الحديث (273).

[39] الباش، حسن، زحف العنصرية ومواجهة الإسلام، دار قتيبة، دمشق، ط1، 1415ه-1994م، ص (32-33).

[40] الرازي، محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي، مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي – بيروت، ط3، 1420 هـ (9/ 477).

[41] انظر: صديق، إبراهيم بن محمد، تميُّز الإسلام في إرساء العدل ونبذ العنصرية “كلكم من آدم”، مركز سلف للبحوث والدراسات، أوراق علمية (170)، ص2.

[42] أبو عبد الله، محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية – القاهرة، ط2، 1384 هـ – 1964 م، (14/18).

[43] انظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، المحقِّق: حكمت بن بشير بن ياسين، الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع – السعودية، ط1، 1431 هـ، (6/307).

[44] رواه مسلم في صحيحه، حديث رقم (2577)، (8/ 17).

[45] رواه البخاري في صحيحه، حديث رقم (٣٢٨٨)، (3/1282).

[46] رواه البخاري في صحيحه، حديث رقم (2361)، (2/ 882).

[47] انظر: ابن المبرد الحنبلي، يوسف بن حسن بن أحمد، محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ت: عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، (2/ 473).

[48] أخرجه أحمد في مسنده، حديث رقم (23489)، (38/474)،صححه الألباني في السلسة الصحيحة رقم ( 2700).

[49] أخرجه أبو داود في سننه، حديث رقم (4842)، (7/210)، والحديث ضعفه الألباني في كتابه :(ضعيف الجامع الصغير ) رقم (1060) ورغم ضعف الحديث إلا أن معناه مقبول  في الأدب الإسلامي والسياسة الشرعية ، انظر : موقع الشيخ  ابن باز :https://search.yahoo.com/search?fr2=p%3ads%2cv%3aomn%2cm%3asa%2cbrws%3achrome%2cpos%3a2&fr=mcafee&type=E210US885G0&p=

[50] أخرجه مسلم في صحيحه، حديث رقم (٢٥٨٦)، (8/20).

[51] أخرجه البخاري في صحيحه حديث رقم (10)، (1/ 11).

[52] رواه البخاري في صحيحه، رقم (3544)، (3/1371).

[53] انظر: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي، جامع المسانيد والسُّنَن الهادي لأقوم سَنَن، تحقيق: عبد الملك بن عبد الله الدهيش، دار خضر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت – لبنان، ط2، 1419 هـ – 1998 م، (1/557-558).

[54] تفسير ابن كثير، (2/119).

[55] الدمشقي، عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم، مقاصد الرعاية لحقوق الله عز وجل، تحقيق: إياد خالد الطباع، دار الفكر – دمشق، ط1، 1416هـ – 1995م، ص140.

[56] أخرجه مسلم في صحيحه، حديث رقم (91)، (1/ 65).

[57] انظر: المعافري، عبد الملك بن هشام بن أيوب، السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق: مصطفى السقا – إبراهيم الأبياري – عبد الحفيظ شلبي، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، ط2، 1375 هـ – 1955 م، (1/315).

[58] انظر: ابن منظور، محمد بن مكرَّم بن علي بن أحمد بن منظور، لسان العرب، دار المعارف، القاهرة، د.ت، ج 4 ص 2964-2966. الفيروز آبادي، محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1407هـ – 1987م، ص 184. الجوهري، إسماعيل بن حمّاد، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، دار العلم للملايين، بيروت، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، 1990م، ج1، ص 182، (مادة عصب).

[59] انظر: ابن منظور، لسان العرب، مرجع سابق، ج 4، ص 2966، مادة عصب.

[60] انظر: ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي، زاد المعاد في هَدي خير العباد، تحقيق: شعيب الأرنؤوط – عبد القادر الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت – لبنان، ط1، 1417 هـ – 1996 م، (3/27-28).

[61] أبو الفداء، إسماعيل بن كثير، السيرة النبوية من البداية والنهاية، تحقيق: د. مصطفى عبد الواحد، عيسى البابي الحلبي، القاهرة، 1395 هـ – 1976 م، (1/445-446).

[62] انظر: برو، توفيق، تاريخ العرب القديم، دار الفكر، ط2، 1412-2001م، ص213-216.

[63] انظر: المعافري، عبد الملك بن هشام بن أيوب، السيرة النبوية لابن هشام، مرجع سابق، (1/ 505-506).

[64] انظر: صحيح البخاري، حديث رقم (6754)، (6/ 2625)

[65] أخرجه البخاري في صحيحه، حديث رقم (30)، (1/ 20).

[66] أخرجه مسلم في صحيحه، حديث رقم (٢٥٨٤)، (8/ 19). وانظر: البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين، دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط1، 1405 هـ – 1985 م، (4/52).

أحلام بنت محمد سعد الوادي

أستاذ مساعد جامعة أم القرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا الأن
1
هل تحتاج الي مساعدة او نشر بحثك !
Scan the code
مجلة scp الماليزية
مرحبا
كيف استطيع مساعدتك !