
المسائل العقدية
المسائل العقدية في قوله تعالى:﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾
دراسة عقدية تحليلية
إعداد الباحثة
هند بنت دخيل الله القثامي
أستاذ مشارك – قسم العقيدة
كلية الدعوة وأصول الدين – جامعة أم القرى
عنوان المراسلة:
الملخص
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
فهذا بحث بعنوان: [المسائل العقدية في قوله تعالى:﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ دراسة عقدية تحليلية ].
مقدم من الباحثة: هند بنت دخيل الله القثامي.
يتناول البحث دراسة عقدية تحليلية لقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾، بوصفها آية جامعة لأصول التوحيد.
وبيّن أن الآية قررت نفي الولد عن الله تعالى نفيًا يتضمن تنزيهه عن الحاجة والمماثلة والتركيب، وإبطال دعاوى اليهود والنصارى والمشركين.
كما قررت نفي الشريك في الألوهية والربوبية، مؤكدة تفرد الله بالخلق والتدبير.
وأبرزت الدراسة دليل التمانع الوارد في قوله تعالى: ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ بوصفه برهانًا عقليًا قاطعًا على استحالة تعدد الآلهة.
وأوضحت أن انتظام الكون واتساقه شاهد على وحدة المدبر سبحانه.
كما كشفت عن المنهج القرآني في تقرير العقيدة من خلال الجمع بين النفي الصريح، والدليل العقلي، والتنزيه الإلهي.
وبيّنت منهج أهل السنة والجماعة في باب التنزيه القائم على الإثبات بلا تمثيل، والتنزيه بلا تعطيل.
وخلصت الدراسة إلى أن الآية أصل محكم في ترسيخ التوحيد والرد على الشبهات العقدية قديمًا وحديثًا
الكلمات المفتاحية : نفي الولد- نفي تعدد الآلهة- برهان التمانع- التسبيح
Abstract
All praise is due to Allah, Lord of the worlds, and peace and blessings be upon our Prophet Muhammad, his family, and his companions.
This research is entitled: “The Theological Issues in the Almighty’s Saying: {Allah has not taken a son, nor has there ever been with Him any deity} – An Analytical Creedal Study.”
Presented by the researcher: Hind bint Dakhil Allah Al-Qathami.
The study offers an analytical theological examination of the verse: {Allah has not taken a son, nor has there ever been with Him any deity}, considering it a comprehensive verse encompassing the foundations of Tawḥīd (Islamic monotheism(.
The research demonstrates that the verse affirms the negation of a son being attributed to Allah in a manner that entails declaring Him free from need, likeness, and composition, and refutes the claims of the Jews, Christians, and polytheists.
It further establishes the negation of any partner in divinity (ulūhiyyah) and lordship (rubūbiyyah), affirming Allah’s exclusive uniqueness in creation and governance.
The study highlights the proof of mutual exclusion (Burhān al-Tamānuʿ) mentioned in the Almighty’s saying: {Then each deity would have taken what it created}, presenting it as a decisive rational argument for the impossibility of multiple gods.
It also explains that the order and harmony of the universe serve as evidence of the oneness of its sole Planner and Sustainer, Glorified be He.
Moreover, the study uncovers the Qur’anic methodology in establishing creed through the combination of explicit negation, rational argumentation, and divine transcendence (tanzīh(.
It clarifies the methodology of Ahl al-Sunnah wa al-Jamā‘ah in affirming divine transcendence—based on affirmation without anthropomorphism (tashbīh), and transcendence without negation (taʿṭīl(.
The study concludes that this verse constitutes a firm foundational principle in establishing Tawḥīd and refuting theological misconceptions, both historically and in contemporary times.
Keywords: Negation of sonship – Negation of multiple deities – Proof of mutual exclusion (Burhān al-Tamānuʿ) – Glorification (Tasbīḥ) .
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن العقيدة الإسلامية تقوم على أصلٍ عظيمٍ هو توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة والربوبية والأسماء والصفات، وتنزيهه سبحانه وتعالى عن كل نقص، ونفي كل ما لا يليق بجلاله وكماله.
وقد جاء القرآن الكريم بتقرير هذا الأصل العظيم بأساليب عدة متنوعة، تجمع بين الدليل النقلي، والحجة العقلية ، والرد على شبهات أهل الشرك والانحراف.
ومن الآيات المحكمة في تقرير التوحيد الخالص ونفي الشرك والولد عن الله تعالى قوله سبحانه: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ ۚ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: 91].
فهذه الآية الكريمة اشتملت على جملة من القضايا العقدية الكبرى، من أهمها: نفي الولد عن الله تعالى، ونفي الشريك في الألوهية، وإقامة الدليل العقلي على استحالة تعدد الآلهة، وتنزيه الله سبحانه عن أوصاف المشركين والمبطلين.
ولذلك عدّت من الآيات المحكمة في باب التوحيد، والتي تصلح أن تكون أصلًا في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة في توحيد الله تعالى.
وقد تنوّعت انحرافات الأمم السابقة في هذا الباب؛ فاليهود نسبوا إلى الله الولد، والنصارى قالوا بالتثليث، وبعض مشركي العرب جعلوا لله البنات، وهذا كله داخل في أعظم أبواب الشرك والكفر، وقد تصدى القرآن الكريم لهذه الانحرافات بالرد والبيان والتفنيد ، كما في هذه الآية الكريمة.
وتكمن أهمية دراسة هذه الآية دراسة عقدية تحليلية في كونها تجمع بين النفي الصريح والبرهان العقلي والتنزيه الإلهي، وهو منهج قرآني رفيع في تقرير العقيدة الصحيحة، ورد شبهات المخالفين.
كما أن أصل في الرد على كثير من الانحرافات العقدية المعاصرة، التي ما زالت تدور حول نفي كمال التوحيد أو إثبات نوع من الشريك أو الوسيط أو المشاركة في خصائص الألوهية ، لذا جاءت فكرة هذا البحث لدراسة المسائل العقدية المستنبطة من هذه الآية الكريمة دراسة علمية موسعة، في ضوء منهج السلف الصالح، وبالاعتماد على تفاسير أهل السنة وكتب العقيدة المعتمدة .
مشكلة البحث :
تتمثل مشكلة البحث في الحاجة إلى دراسة عقدية تحليلية معمقة للآية الكريمة ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ…﴾، تُبرز ما اشتملت عليه من أصول التوحيد، وتُبين منهج القرآن في نفي الشرك والولد عن الله تعالى، وتكشف عن دلالاتها العقدية العقلية والنقلية، لكثرة الشبهات المتعلقة بمفهوم التوحيد .
أسئلة البحث :
يسعى هذا البحث للإجابة عن الأسئلة الآتية:
- ما المسائل العقدية التي تضمنتها الآية الكريمة؟
- كيف قرر القرآن الكريم نفي الولد عن الله تعالى في هذه الآية؟
- ما الدليل العقلي الذي ساقته الآية على استحالة تعدد الآلهة؟
- ما منهج أهل السنة في تقرير هذه القضايا العقدية؟
- ما أثر هذه الآية في ترسيخ عقيدة التوحيد والرد على الشبهات؟
أهداف البحث :
يهدف هذا البحث إلى:
- بيان المسائل العقدية الواردة في الآية الكريمة بيانًا علميًا دقيقًا.
- توضيح منهج القرآن في نفي الولد والشريك عن الله تعالى.
- إبراز الأدلة العقلية والنقلية على بطلان الشرك.
- بيان منهج أهل السنة في فهم هذه الآية وتقرير عقيدتها.
- الإسهام في الرد على الشبهات العقدية المعاصرة المتعلقة بالتوحيد.
أهمية البحث :
تنبع أهمية هذا البحث من عدة جوانب، من أهمها:
- تعلقه بأصل الأصول في الإسلام، وهو توحيد الله تعالى.
- تناوله آية محكمة جامعة لأصول التوحيد.
- اعتماده على منهج أهل السنة في تقرير العقيدة.
- مساهمته في خدمة الدراسات العقدية القرآنية.
منهج البحث :
اعتمدت في هذا البحث على المناهج الآتية:
- المنهج الاستقرائي: وذلك باستقراء نصوص القرآن والسنة وأقوال السلف المتعلقة بالآية.
- المنهج التحليلي: بتحليل ألفاظ الآية ودلالاتها العقدية.
- المنهج الاستدلالي: في بيان الأدلة العقلية والنقلية.
- المنهج المقارن: عند عرض أقوال أهل السنة ومقارنتها بأقوال المخالفين عند الحاجة.
وهناك بعض الدراسات السابقة ومنها : دليل التمانع عند المتكلمين والاعتراضات عليه ، د.حماد زكي الحماد ، وهو بحث مقتصر على دليل التمانع وأهم الاعتراضات عليه تفصيلا ، أما بحثي فهو يشتمل على مسائل أوسع مثل نفي الشريك والولد وكذا دلالة التنزيه .
إجراءات البحث :
- جمع المادة العلمية من مظانها الأصلية.
- عزو كلام أهل العلم إلى مصادره، ووضع أقوالهم بين أقواس صغيرة، أما ما نقلته بمعناه فإني لا أضعه بين أقواس، وأثبته في الهامش بلفظ (انظر).
- أشرت إلى المرجع في الهامش باسمه، واسم مؤلفه، أما باقي معلوماته فأثبتها في فهرس المصادر والمراجع.
- كتابة الآيات القرآنية بالرسم العثماني، وتذييل الآيات باسم السورة ورقم الآية.
خطة البحث
جاء البحث في مقدمة، وتمهيد، وثلاثة مباحث ، وخاتمة، وذلك على النحو الآتي:
المقدمة ، والتمهيد ،
وثلاثة مباحث هي :
- المبحث الأول : نفي الولد عن الله تعالى
- المبحث الثاني : نفي الشريك وتعدد الآلهة
- المبحث الثالث : تنزيه الله في الآية . ثم خاتمة البحث
التمهيد
التعريف بسورة المؤمنون، والسياق العام للآية، ومكانة التوحيد فيها
أولًا: التعريف بسورة المؤمنون
سورة المؤمنون سورة مكية بإجماع جمهور المفسرين، وعدد آياتها ثمان عشرة ومائة آية، وقد سُمّيت بهذا الاسم لافتتاحها بذكر صفات المؤمنين، وبيان فلاحهم وفوزهم، قال تعالى:﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 1]. وتُعد سورة المؤمنون من السور التي اعتنت عنايةً بالغة بتقرير أصول العقيدة الإسلامية، وعلى رأسها توحيد الله تعالى، وإثبات ربوبيته وألوهيته، ونفي الشركاء عنه، وبيان بطلان عقائد المشركين. وقد جاء ذلك بأسلوب قرآني جامع، يجمع بين تقرير العقيدة، وذكر دلائلها، وبيان آثارها في الدنيا والآخرة ، ومن مقاصد هذه السورة اشتمالها على ذكر المؤمنين وصفاتهم، ثم ذكر الخلق وأطوار الإنسان، وذكر التوحيد والبعث، والرد على المشركين .([1])
ومن تأمل بناء السورة وجد أنها تسير في خطٍّ عقدي واضح، يبدأ ببيان صفات المؤمنين، ثم الاستدلال على وحدانية الله بآيات الخلق، ثم الرد على المكذبين، ثم تقرير التوحيد الخالص في ختامها، وهو السياق الذي جاءت فيه آية البحث.
ثانيًا: السياق العام لآية البحث في السورة
تقع آية البحث في الثلث الأخير من السورة، في سياق جدلي عقدي قوي، يخاطب المشركين، ويرد على انحرافاتهم العقدية، ولا سيما دعوى اتخاذ الولد، أو إثبات شركاء مع الله تعالى.
فبعد أن ذكر الله تعالى دلائل قدرته ووحدانيته، وبيّن مصير المكذبين، جاء هذا النص القرآني الحاسم:
﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾، وهو نفيٌ صريحٌ جامع، يقطع الطريق على جميع صور الشرك، سواء كانت شركًا في الذات، أو في الصفات، أو في الأفعال .
ويلاحظ أن الآية لم تكتفِ بمجرد النفي، بل انتقلت إلى إقامة الدليل العقلي القاطع على بطلان دعوى التعدد، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾.
ثالثًا: مكانة التوحيد في سورة المؤمنون
التوحيد هو المحور الرئيس الذي تدور حوله سورة المؤمنون، يتضح ذلك في مواضع عديدة، منها:
- توحيد الربوبية: من خلال ذكر خلق الإنسان، والسموات، والأرض، والإنزال، والإحياء والإماتة.
- توحيد الألوهية: بإبطال عبادة غير الله، وذم الشرك.
- توحيد الأسماء والصفات: بتنزيه الله عن النقائص، وإثبات كماله المطلق.
وقد جاءت الآية موضع البحث جامعة لهذه الأنواع الثلاثة من التوحيد؛ إذ نفت الولد (وهو نقص في الصفات)، ونفت الشريك (وهو شرك في الألوهية)، وأقامت الدليل على تفرد الله بالخلق والتدبير (وهو توحيد الربوبية) .
رابعًا: العلاقة بين نفي الولد ونفي الشريك
من القضايا العقدية التي تبرز في هذه الآية الربط بين نفي الولد ونفي الشريك؛ إذ إن إثبات الولد يستلزم – عقلًا – إثبات المماثلة والمشاركة في الحقيقة، وهو ما ينافي كمال الألوهية ، يقول القرطبي رحمه الله : ” وهذا الذي يدل على نفي الشريك ، يدل على نفي الولد أيضا ، لأن الولد ينازع الأب في الملك منازعة الشريك “. ([2])
وقد بيّن أهل السنة والجماعة أن نفي الولد عن الله تعالى ليس مجرد نفي لفظي، بل هو نفي لما يترتب عليه من لوازم فاسدة، كالتجزؤ، والحاجة، والمماثلة ، فإن اثبات الولد له يقتضي المجانسة والمشابهة والله تعالى لا يجانس شيئا ولا يشابه شيئا . ([3])
فنفي الشبيه والنظير والوالد والولد والصاحبة هو نفي على طريقة السلف وهو نفي متضمن اثبات كمال الله عز وجل ، فنفي الشبيه والنظير متضمن اثبات كمال أحديته ، ونفي الوالد والولد متضمن اثبات كمال غناه . ([4])
يقول الطحاوي رحمه الله :” نفي الشريك والصاحبة والولد متضمن كمال ربوبيته وإلهيته وقهره ” . ([5])
خامسًا: منهج القرآن في تقرير العقيدة في الآية :
يتضح من هذه الآية أن القرآن يعتمد في تقرير العقيدة على منهج متكامل، يتمثل في:
- النفي الصريح: (ما اتخذ الله من ولد)
- نفي الشريك: (وما كان معه من إله)
- الدليل العقلي: (لذهب كل إله بما خلق)
- التنزيه الإلهي: (سبحان الله عما يصفون)
وهو المنهج الذي سار عليه السلف الصالح في تقرير مسائل العقيدة، حيث يجمعون بين النص والعقل، دون تقديم العقل على النص، ولا تعطيل النص باسم العقل.
المبحث الأول: نفي الولد عن الله تعالى في القرآن الكريم
إن نفي الولد عن الله تعالى من أعظم أصول التوحيد، ومن المسائل العقدية التي تكررت في القرآن الكريم تكرارًا يدل على أهميتها، لما يترتب على ذلك من لوازم باطلة تنافي كمال الألوهية، كالحاجة، والتجزؤ، والمماثلة، والافتقار إلى غيره. وقد جاءت هذه الآية موضع البحث لتقرر هذا الأصل تقريرًا محكمًا، يجمع بين النفي الصريح، والاستدلال العقلي، والتنزيه الإلهي.
الولد في اللغة العربية يُطلق على ما تولد عن غيره، سواء أكان ذكرًا أم أنثى، ويستلزم ذلك وجود أصلٍ تفرّع عنه، قال ابن فارس: «الواو واللام والدال أصل يدل على تولد الشيء عن الشيء». ([6])
ومن لوازم هذا المعنى اللغوي: الحاجة والافتقار و المماثلة في الحقيقة .
وهذه اللوازم ممتنعة في حق الله تعالى، الذي هو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ، يقول القرطبي رحمه الله :” نفي الولد عنه سبحانه لأن الولد الجنسية والحدوث ، ولا يجوز في حقه لأنه لايكون ولد إلا من والد يكون له والد وأصل ، والله سبحانه يتعالى عن ذلك ” . ([7])
لذا فإن نسبة الولد إلى الله تعالى تتضمن أعظم أنواع الشرك والكفر؛ لأنها تقتضي تشبيه الخالق بالمخلوق ، ونسبة صفات النقص إليه، يقول ابن القيم رحمه الله : ” فمن نسب الولد لله فما عرف الرب تعالى ، ولا آمن به ولا عبده ” . ([8])
المطلب الأول : نفي الولد عن الله تعالى في القرآن الكريم
ورد نفي الولد عن الله تعالى في آيات كثيرة، مما يدل على عظم هذه القضية وخطورتها، ومن ذلك:قوله تعالى : ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: 3] ، وقوله تعالى : ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنون: 91]
وقوله تعالى :﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا﴾ [مريم: 88]
وقد جاءت هذه الآيات بأساليب متنوعة، منها النفي المجرد، ومنها الإنكار الشديد، ومنها إقامة الدليل العقلي على بطلان هذه الدعوى ، ويتضح ذلك من وجوه كثيرة :
أَحدها: أن من مبدعاته: السمواتِ وَالأَرضَ ومن كان كذلك ؛ لا يصح أَن يكون له ولد لأَن ما ادعوْه ولدا لا يقدر على مثل ذلك ، ومِنْ شأْن الولد أن يكون قادرا على مثل ما يقدر عليه أَبوه.
ثانيها: أَن مِنْ شأْن الولدِ أَن يتولَّد من ذكر وأُنثى متجانسين ، والله تعالى منزه عن المجانسة والمشابهة فلهذا لا تكون له زوجة يأْتي منها الولد.
ثالثها: أَن الولد الذي ادعوه، مخلوقٌ لله تعالى فقد خلق – سبحانه – كلَّ شيءٍ وهو من جملته والمخلوق لا يكون ولدًا للخالق ، ولا يسمى به بل يسمى مخلوقا.
رابعها: أَن الولد يشبه أَباه، والله بكل شيء عليم في حين أَن ما ادَّعوه ولدا، ليس كذلك فلا يصلح أَن يكون ولدًا لله لأَنه فقد صفته، وهي العلم بكل شيء. ([9])
وأما آية البحث:﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ ، فقد جاء النفي بصيغة الماضي، للدلالة على انتفاء ذلك أزلًا وأبدًا، لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل.
يقول الطبري رحمه الله :” يقولُ تعالى ذكرُه: ما للهِ من ولدٍ، ولا كانَ معه في القديمِ، ولا حينَ ابتدَعَ الأشياءَ، عبادتُه “. ([10])
وجاءت السنة النبوية مؤكدة لما في القرآن من نفي الولد عن الله تعالى، ومبينة لعظم جرم من نسب ذلك إلى الله.
قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه:«كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدًا» ([11]) .
وفي هذا الحديث بيان خطورة هذه المقالة، وأنها من أعظم أنواع الافتراء في حق الله تعالى، مع تنزيه الله سبحانه عن ذلك.
وأكد الله نفي الولد عنه، فقد تنزه وتقدس عما يقولون، من الكذب بادعاء ولد له، فهو رب السماوات والأرض ومالكهما، ورب العرش المحيط بالكون، وهو منزه عما يصفه به المشركون كذبا، من نسبة الولد إليه .
المطلب الثاني : الرد على القائلين بنسبة الولد لله تعالى
أولًا: الرد على اليهود والنصارى
زعم بعض اليهود أن عزير ابن الله ، يقول تعالى:﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: 30].
وهذا القول كفر صريح، وهو مبني على الجهل بحقيقة الألوهية فالقرآن قابل هذا القول بإبطاله من جهة العقل وهو استحالة البنوة على الله تعالى ، وجهة النقل وهو مضاهاة قولهم بأقوال المشركين ، واتخاذ الولد يستلزم النقص والحاجة والله تعالى منزه عن ذلك . ([12])
وقد قالت النصارى إن المسيح ابن الله، بل قال بعضهم بالتثليث، فجاء القرآن بإبطال ذلك من وجوه متعددة، منها: نفي الولد- إثبات بشرية عيسى عليه السلام – إقامة الدليل العقلي على بطلان التثليث
وقد زعم مشركو العرب أن الملائكة بنات الله، فجاء الرد القرآني مبينا هذا التناقض: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ [النجم: 21] ، فالآية جاءت انكاراً وتوبيخاً للمشركين حين نسبوا إلى الله تعالى البنات ، وهم يكرهون البنات لأنفسهم ويستقبحون ذلك ، فجعلوا لأنفسهم مايحبون ، وجعلوا لله مايكرهون ، وهذا من أعظم الجور في القسمة ، وسوء الأدب مع الله تعالى . ([13])
وهذه حجة عقلية وأدبية في آن واحد ، لأنها تخاطبهم بما استقر في نفوسهم من كراهة البنات ثم تلزمهم بنتيجة قولهم .. فتكون جملة ” ألكم الذكر” بيانا للإنكار وارتقاء في ابطال مزاعمهم . ([14])
مما سبق يتضح أننفي الولد عن الله أصل قطعي من أصول العقيدة ،وأن اثبات الولد يستلزم لوازم باطلة عقلًا وشرعًا وقد جاءت آية البحث جامعة بين النفي والدليل والتنزيه .
المبحث الثاني: نفي الشريك وتعدد الآلهة
يُعد نفي الشريك عن الله تعالى أصلًا عظيمًا من أصول التوحيد، وهو ملازم لنفي الولد؛ إذ إن إثبات الشريك أو الإله مع الله يقتضي النقص والافتقار والتغالب، وهي صفات ممتنعة في حق الله سبحانه وتعالى. وقد جاءت الآية موضع البحث لتقرير هذا الأصل تقريرًا محكمًا، يجمع بين النفي الصريح والدليل العقلي والتنزيه الإلهي.
قال تعالى:﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾، وهو نفيٌ قاطعٌ لكل صورة من صور الشرك، سواء كان شركًا في الذات، أو في الصفات، أو في الأفعال.
المطلب الأول: معنى الإله في اللغة والشرع
- معنى الإله لغة وشرعًا :
الإله في اللغة مأخوذ من أَلِهَ، أي عَبَدَ، فالإله هو المعبود ، وهو الذي يُؤله، فيُعبد محبة وإنابة وإجلالا وإكراما . ([15])
أما في الاصطلاح الشرعي، فالإله هو المعبود بحق، ولا يستحق العبادة إلا الله تعالى وحده، كما قال سبحانه: ﴿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: 102].
فتوحيد الربوبية هو إفراد الله بالخلق والرزق والتدبير.
أما توحيد الألوهية فهو إفراد الله بالعبادة.
وقد أقرّ المشركون بتوحيد الربوبية إجمالًا، لكنهم أشركوا في توحيد الألوهية، فجاء القرآن بتقرير النوعين معًا ،فإن أصل الشرك إنما وقع في توحيد العبادة، لا في الإقرار بأن الله خالق كل شيء. ([16])
وقدجاء نفي الشريك في القرآن بأساليب متعددة، منها:
- النفي الصريح: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾
- الاستفهام الإنكاري: ﴿أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ﴾
- إقامة الدليل العقلي: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾
ففي هذه الآيات دليل على امتناع الشرك مع الله تعالى ،فإن مجرد تعدد الآلهة يوجب لزوم الفساد مطلقا.([17])
فكثرة الآلهة توجب الفساد والخلل والتنازع والصراع ، أما توحيد الإله فيقتضي حصول النظام وحسن الترتيب . ([18])
قال تعالى:﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾، أي: لو كان مع الله إله آخر، لانفرد كل إله بما خلقه، واستقل بملكه، ووقع التنازع والتفرق.
فهذا دليل عقلي ، فالكون كله منسجم لا يتصادم ولا يتناقض ، مما يدل على أن مدبره واحد سبحانه وتعالى . ([19])
قال تعالى: ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: طال بعضهم مغالبة بعض، كما هو شأن الملوك اذا اشتركوا في الملك فيغلب بعضهم بعضا . ([20])
يقول القرطبي : ” ( ولعلا بعضهم على بعض ) أي : ولغالب وطلب القوي الضعيف كالعادة بين الملوك وكان الضعيف المغلوب لايستحق الإلهية ، وهذا الذي يدل على نفي الشريك يدل على نفي الولد أيضا ، لأن الولد يُنازع الأب في الملك منازعة الشريك “([21]).
فهذه الآية ذكر فيها برهانين يقينيين على امتناع أن يكون مع الله إله آخر بقوله : ( إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ) ، وقد عُرف أنه لم يذهب كل إله بما خلق ، ولا علا بعضهم على بعض .. ([22]) وهذا برهان عقلي آخر يثبت أن الإله الحق لا يكون إلا واحدًا.
المطلب الثاني :دليل التمانع في الآية
اُستعمل هذا الدليل العقلي في الرد على المشركين ، وقد خالف أهل السنة غيرهم في طريقة تقرير التوحيد ، فاستعملوا الأدلة العقلية لكنهم جعلوها تابعة للنص لا متقدمة عليه ، فالسلف جمعوا بين النص والعقل ، بخلاف المتكلمين الذين قدّموا العقل المجرد ، فالمنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح . ([23])
يقول ابن القيم رحمه الله :” إن ما عُلم بصريح العقل الذي لا يختلف فيه العقلاء ؛ لا يتصور أن يعارضه الشرع البته ، ولا يأتي بخلافه ” . ([24])
وفي هذه الآية جاء تقرير التوحيد بدليل عقلي سُمي بدليل التمانع ، ووجه تسميته ببرهان التمانع أن جانب الدلالة فيه على استحالة تعدد الإله هو فرض أن يتمانع الآلهة ، أن يمنع بعضهم بعضا من تنفيذ مراده . ([25])
فوحدة النظام دالة على وحدة المنظم ، ووحدة الوجود دالة على وحدة الموجد ، وهذا برهان التمانع الذي يقرر منطقيا وجود الله ووجوب عبادته وحده . ([26])
يقول ابن القيم رحمه الله :” فتأمل هذا البرهان الباهر ، بهذا اللفظ الوجيز البين ، فإن الإله الحق لا بد أن يكون خالقا فاعلا ، يوصل إلى عابده النفع ، ويدفع عنه الضر ، فلو كان معه – سبحانه- إله ؛ لكان له خلق وفعل ، وحينئذ فلا يرضى بشركة الإله الآخر معه بل إن قَدَر على قهره وتفرُّده بالإلهية دونه فعَلَ ، وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخَلْقه وذهب به، كما ينفرد ملوك الدنيا عن بعضهم بعضًا بممالكهم ؛ إذا لم يقدر المنفرد على قهر الآخر والعلو عليه، فلا بد من أحد أمورٍ ثلاثة:
إمَّا أن يذهب كل إلهٍ بخَلْقه وسلطانه.
وإمَّا أن يعلو بعضهم على بعضٍ.
وإمَّا أن يكون كلهم تحت قهر إلهٍ واحدٍ وملكٍ واحدٍ، يتصرف فيهم ولا يتصرفون فيه، ويمتنع مِن حُكمهم عليه ، ولا يمتنعون مِن حُكمه ليهم، فيكون وحده هو الإله الحق، وهم العبيد المربوبون المقهورون([27]).
فبين الله تعالى بدليل عقلي أنه لا يمكن التعدد فانتظام الكون ودقته شاهد على وحدانية الله تعالى ، إذ لو تعدد الآلهة لاختل النظام ، فالآية اشتملت على دليل عظيم من الأدلة العقلية . ([28])
المبحث الثالث: التنزيه الإلهي في الآية
جاء ختام آية البحث بقوله تعالى:﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ، ليكون تتويجًا لما سبق من نفي الولد ونفي الشريك، إذ إن التنزيه هو ثمرة التوحيد وكماله، وهو بيان قرآنيٌّ واضح قاطعٌ بتنـزيه الله تعالى عن جميع ما يصفه به المشركون وأهل الضلال من صفات النقص والتمثيل والتشبيه.
وقد اعتنى أهل السنة والجماعة بمسألة التنزيه عناية عظيمة، فجعلوها من أصول باب الأسماء والصفات، مقرونة بالإثبات، دون تعطيل ولا تمثيل، اتباعًا للنصوص الشرعية ومنهج السلف الصالح.
المطلب الأول: معنى التسبيح في اللغة والاصطلاح
أولًا: معنى التسبيح في اللغة
التسبيح في اللغة مأخوذ من مادة (س ب ح) ، وهي تدل على الإبعاد عن السوء ،فتسبيح الله تنزيهه تعالى عن السوء . ([29])
ومن هذا المعنى اللغوي يظهر أن التسبيح ليس مجرد لفظ، بل يتضمن معنى عقديًا عميقًا، وهو تنزيه الله تعالى عن كل نقص وعيب.
ثانيًا: معنى التسبيح في الاصطلاح الشرعي
التسبيح شرعًا هو تنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله، مع إثبات صفات الكمال له سبحانه. وقد جاء التسبيح في القرآن في مواضع كثيرة، مقرونًا غالبًا بإبطال الشرك ونفي النقائص ،
قال تعالى:﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: 180].
أي : تنزيها لله وتبرئة عما يصفه به هؤلاء المشركون من اتخاذ الصاحبة والولد والشريك . ([30])
فينزه الله تعالى نفسه الكريمة ويقدسها ويبرئها عما يقوله الظالمون المكذبون المعتدون . ([31])
يقول ابن القيم رحمه الله :” نزه نفسه عما يصفه به الخلق ثم سلم على المرسلين لسلامة ما وصفوه به من النقائص والعيوب ، ثم حمد نفسه على تفرده بالأوصاف التي يستحق عليها كمال الحمد ” .([32])
فالتسبيح يتضمن نفي النقائص كلها عن الله سبحانه ، ويتضمن اثبات كمال ضدها ، فهو جامع للتنزيه والاثبات .
المطلب الثاني : تنزيه الله في الآية
يقوم منهج أهل السنة والجماعة في باب التنزيه على قاعدتين عظيمتين:
- تنزيه بلا تعطيل
- إثبات بلا تمثيل
وهو ما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
قال الإمام نعيم بن حماد رحمه الله: ” من شبّه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر ” ([33]).
وقد تميز منهج السلف بأنهم جمعوا بين التنزيه والإثبات، فلم يقعوا في نفي الصفات بحجة التنزيه، ولا في التمثيل بحجة الإثبات.
يقول الإمام الطحاوي رحمه الله: ” ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر” ([34]).
وهذا يدل على أن التنزيه الحق هو الذي يوافق النص ، لا الذي يعارضه.
فمذهب السلف وأئمة السنة أنهم يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه ، وبما وصفه به رسوله ، من غير تحريف ولا تعطيل ، وينزهونه تنزيها مجملا عن كل نقص. ([35])
وفي الآية جاء تنزيه الله عن صفات النقص فإن إثبات الولد أو الشريك يستلزم نسبة النقص إلى الله تعالى، ولذلك جاء التنزيه في ختام الآية ليبطل تلك اللوازم الفاسدة.
فكل ما استلزم نقصًا أو حاجة فالرب منزه عنه .. ونفي النقائص يقتضي ثبوت صفات الكمال ، فالأمر بتسبيحه يقتضي تنزيهه عن كل عيب وسوء ،واثبات صفات الكمال له ، فإن التسبيح يقتضي التنزيه والتعظيم ، والتعظيم يستلزم اثبات المحامد التي يُحمد عليها ، فيقتضي ذلك تنزيهه وتحميده وتكبيره وتوحيده . ([36])
فالتنزيه الصحيح لا ينفك عن التوحيد، بل هو ثمرة له؛ فكلما كمل توحيد العبد، كمل تنزيهه لله تعالى.
فحقيقة التنزيه أن ينفي عن الله ما لا يليق بالله شرعا وعقلا ، كالولد والوالد والشريك ، والند والتشبيه ، والتجسيم ، وغير ذلك مما نزه عنه نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ، والله منزه عن كل ذلك . ([37])
يقول السعدي رحمه الله : ” ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ قد نطقت بلسان حالها، وأفهمت ببديع أشكالها، أن المدبر لها إله واحد كامل الأسماء والصفات، قد افتقرت إليه جميع المخلوقات، في ربوبيته لها، وفي إلهيته لها، فكما لا وجود لها ولا دوام إلا بربوبيته، كذلك، لا صلاح لها ولا قوام إلا بعبادته وإفراده بالطاعة، ولهذا نبه على عظمة صفاته بأنموذج من ذلك، وهو علمه المحيط، فقال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ أي: الذي غاب عن أبصارنا وعلمنا، من الواجبات والمستحيلات والممكنات، ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾ وهو ما نشاهد من ذلك ﴿فَتَعَالَى﴾ أي: ارتفع وعظم، ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ به، من لا علم عنده، إلا ما علمه الله “([38]).
أما أهل الكلام فقد بالغوا في التنزيه حتى أدّى بهم ذلك إلى تعطيل الصفات، ونفي ما أثبته الله لنفسه، بحجة تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين.
- يتضح مما سبق أن هناك آثارا للتنزيه الصحيح في العقيدة والسلوك ؛ التسبيح دليل على كمال التوحيد ، وهو التسبيح تنزيه عقدي قبل أن يكون مجرد لفظ ، كما أن التنزيه الصحيح يحفظ العقيدة من الانحراف، ويمنع الوقوع في التشبيه أو التعطيل ، وله أثره في تعظيم الله تعالى فكلما ازداد العبد تنزيهًا لله، ازداد تعظيمًا له وخشية ، كما قال تعالى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].
الخاتمة
بعد هذا العرض التحليلي للمسائل العقدية المستنبطة من قوله تعالى:﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: 91]
تبيّن أن هذه الآية الكريمة تُعد من النصوص المحكمة الجامعة في تقرير أصول العقيدة الإسلامية، ولا سيما توحيد الله تعالى وتنزيهه عن جميع أوجه النقص والشرك.
وكشفت الدراسة أيضا أن الآية اشتملت على أصول عقدية كبرى، يأتي في مقدمتها نفي الولد عن الله تعالى، وهو نفي يتضمن إبطال دعوى المشابهة والمماثلة، وتنزيه الله عن الحاجة والتركيب.
كما قررت الآية نفي الشريك عنه سبحانه، وهو أصل عظيم في توحيد الألوهية والربوبية، إذ إن تعدد الآلهة يستلزم الفساد والتنازع، وهو ما نفته الآية بدليل عقلي قاطع يوافق صريح العقل وسليم الفطرة.
كما أبرزت الدراسة المنهج القرآني المتكامل في تقرير العقيدة ، حيث جمع بين النفي الصريح ، والدليل العقلي، والتنزيه الإلهي، وهو المنهج الذي سار عليه أهل السنة والجماعة، فجمعوا بين الإثبات والتنزيه، وسلَموا للنصوص دون تحريف أو تعطيل، ودون تمثيل أو تشبيه.
وتوصي هذه الدراسة بضرورة العناية بتأصيل مسائل العقيدة من خلال القرآن الكريم وتفاسير السلف الصالح ، والرجوع إلى كتب العقيدة المعتمدة على منهج أهل السنة والجماعة، لما في ذلك من حفظ عقيدة المسلم من الانحراف، وترسيخ التوحيد الخالص الذي هو أساس النجاة والفلاح في الدنيا والآخرة.
فهرس المصادر والمراجع :
- :تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي ، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق ،الناشر: مؤسسة الرسالة ،الطبعة: الأولى ١٤٢٠هـ -٢٠٠٠ م
- أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير ، جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر الجزائري ،الناشر: مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية
الطبعة: الخامسة، ١٤٢٤هـ/٢٠٠٣م - بدائع الفوائد ،أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية ، تحقيق : علي بن محمّد العمران ، الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) ، الطبعة: الخامسة، ١٤٤٠ هـ – ٢٠١٩ م .
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية ، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي ، تحقيق: مجموعة من المحققين ، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ،الطبعة: الأولى، ١٤٢٦هـ
- التحرير والتنوير ، تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
، محمد الطاهر ابن عاشور ، الناشر: الدار التونسية للنشر – تونس سنة النشر: ١٩٨٤ ه - تفسير ابن عثيمين ، محمد بن صالح العثيمين الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية ، الطبعة: الثانية، ١٤٣٥ هـ
- تفسير القرآن العظيم ، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي ، تحقيق: سامي بن محمد السلامة ،الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض – السعودية
الطبعة: الثانية، ١٤٢٠ هـ – ١٩٩٩ م - التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج ، وهبة الزحيلي, الناشر: دار الفكر (دمشق – سورية)، دار الفكر المعاصر (بيروت – لبنان) الطبعة: الأولى، ١٤١١ هـ – ١٩٩١ م
- التفسير الوسيط ، د وهبة بن مصطفى الزحيلي ،الناشر: دار الفكر دمشق ،الطبعة: الأولى – ١٤٢٢ هـ
- التفسير الوسيط للقرآن الكريم ،اعداد: لجنة من العلماء بإشراف مجمع البحوث الإِسلامية بالأزهر, الناشر: الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية ، الطبعة: الأولى، (١٣٩٣- 1973)
- جامع البيان عن تأويل آي القرآن ، أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ، تحقيق: د عبد الله بن عبد المحسن التركي ،بالتعاون مع: مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر ،الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ – ٢٠٠١ م
- الجامع لأحكام القرآن ، أبو عبد الله، محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ،
تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش ،الناشر: دار الكتب المصرية – القاهرة
الطبعة: الثانية، ١٣٨٤ هـ – ١٩٦٤ م - حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن ، محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي ،إشراف ومراجعة: الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
الناشر: دار طوق النجاة، بيروت ،الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ – ٢٠٠١ م - زاد المسير في علم التفسير ، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي
تحقيق: عبد الرزاق المهدي ،الناشر: دار الكتاب العربي بيروت ،الطبعة: الأولى – ١٤٢٢ هـ - شرح العقيدة الطحاوية ،عليّ بن علي بن محمد بن أبي العز الدمشقي ،
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه وقدم له: د عبد الله بن المحسن التركي – شعيب الأرنؤوط ، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت ، الطبعة: الثانية، ١٤١١ هـ – ١٩٩٠ م - صحيح البخاري لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ، تحقيق : مصطفى البغا ، درا ابن كثير ، دمشق ، الطبعة الخامسة ( 1414-1993)
- الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه، محمد أمان بن علي جامي علي ، الناشر: المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية ، الطبعة: الأولى، ١٤٠٨هـ – ١٩٩٩ م
- الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة ، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية ، تحقيق: علي بن محمد الدخيل الله
الناشر: دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية ، الطبعة: الأولى، ١٤٠٨هـ - طريق الهجرتين وباب السعادتين ،أبي عبد اللَّه محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية ،تحقيق: محمد أجمل الإصلاحي ،الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) – دار ابن حزم (بيروت) ، الطبعة: الرابعة، ١٤٤٠ هـ – ٢٠١٩ م
- قطف الجني الداني شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني ، عبد المحسن بن حمد بن عبد المحسن بن عبد الله بن حمد العباد البدر ، الناشر: دار الفضيلة، الرياض، المملكة العربية السعودية ، الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ – ٢٠٠٢
- مجموع الفتاوى لابن تيمية مجموع الفتاوى ، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية
جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف – المدينة المنورة السعودية ،عام النشر: ١٤٢٥ هـ – ٢٠٠٤ م - مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ، جمع وترتيب: فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان ، الناشر: دار الوطن – دار الثريا 1413 هـ
- مختصر تفسير البغوي ، عبد الله بن أحمد بن علي الزيد, الناشر: دار السلام للنشر والتوزيع – الرياض ،الطبعة: الأولى، ١٤١٦هـ
- معجم مقاييس اللغة ،أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين ، تحقيق : عبد السلام محمد هارون ، الناشر: دار الفكر ،: ١٣٩٩هـ – ١٩٧٩م
- مفاتيح الغيب = التفسير الكبير ،أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري ، الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت ،الطبعة: الثالثة – ١٤٢٠ هـ
- منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية ، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي ، تحقيق: محمد رشاد سالم ، الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ – ١٩٨٦ م
([1]) انظر : التفسير الوسيط ، مجموعة من المؤلفين ( 6/1263)
([2]) الجامع لأحكام القرآن القرطبي ( 12 / 146)
([3]) انظر : التفسير المنير للزحيلي ( 11/224)
([4]) انظر : قطف الجنى الداني شرح مقدمة رسالة أبي زيد القيرواني ( 1/64)
([5]) شرح العقيدة الطحاوية (1/158)
([6]) معجم مقاييس اللغة ، لابن فارس (3/43 )
([7]) الجامع لأحكام القرآن القرطبي ( 11/ 158)
([8]) بدائع الفوائد لابن القيم (4/1575)
([9]) انظر : التفسير الوسيط ، مجموعة من المؤلفين ( 3/1299)
([10]) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ، ابن جرير الطبري (17/101)
([11]) صحيح البخاري بَاب: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ حديث رقم 4212 ، ( 4/1626)
([12]) انظر : مفاتيح الغيب للرازي ( 12/408)
([13]) انظر : مفاتيح الغيب للرازي ( 28/249 )
([14]) انظر : التحرير والتنوير لابن عاشور (27/103)
([15]) انظر : طريق الهجرتين لابن القيم (1/117)
([16]) انظر :تفسير حدائق الروح والريحان للهرري ( 18/54)
([17]) انظر : مجموع الفتاوى لابن تيمية ( 17 / 460)
([18])انظر : التفسير المنير للزحيلي (12/268)
([19]) انظر : تفسير ابن عثيمين (2/208)
([20]) انظر : مختصر تفسير البغوي ( 5/639 ) .
([21])انظر : الجامع لأحكام القرآن ، القرطبي ( 12 / 146) .
([22])انظر: منهاج السنة النبوية ، لابن تيمية ( 3/113) .
([23]) انظر : مجموع فتاوى ابن تيمية ( 3/2828) .
([24]) الصواعق المرسلة ، لابن القيم ( 3/ 829) .
([25]) انظر : التحرير والتنوير ، لابن عاشور ( 17/41) .
([26]) انظر : أيسر التفاسير ، لأبي بكر الجزائري ( 3/406) .
([27]) الصواعق المرسلة ، لابن القيم ( 2/463)
([28]) انظر : مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (8/ 310)
([29]) انظر : زاد المسير لابن الجوزي ( 4/324) .
([30]) انظر: أيسر التفاسير لأبي بكر الجزائري (4/ 433) .
([31]) انظر : تفسير القرآن ، لابن كثير ( 7/46) .
([32]) الصواعق المرسلة ، لابن القيم (1/153).
([33]) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية ، لابن تيمية (6/506) .
([34]) شرح العقيدة الطحاوية ، لابن أبي العز (1/206) .
([35]) مجموع الفتاوى ، لابن تيمية (13/160) .
([36]) انظر : مجموع الفتاوى ، لابن تيمية ( 16/ 125) .
